كان الهواء في المرج يتحمل رائحة التراب والياسمين البري، وقد أخذ المساء يدبّ بسكونه على خيام يعقوب. داخل الخيمة الأكبر، كانت راحيل تجلس على حصير منسوج بإحكام، عيناها لا تفارقان فناء المخيم حيث كانت ليئة، أختها، تدور حول أولادها الأربعة كالنخلة التي تظلّل غصونها. كان صوت ضحك يهوذا، الولد الرابع، يملأ الفضاء كقطعة نحاس تضرب في السكون. راحت أصابع راحيل تشدّ على بطون ثوبها الزاخر بالألوان، وكأنها تحاول أن تمسك بما لا يمكن الإمساك به. كان العقم كصخرة باردة في حشاها، لا تذوب مع السنين، بل تزداد صلابة وثقلًا.
لم تكن ليئة تتباهى، لكن وجود أولادها كان بحد ذاته بَهرًا ونداءً صامتًا. في الليالي، عندما كان يعقوب يعود من رعاية القطعان، كانت أقدام صبيان ليئة الصغيرة تركض نحوه، فيلتفّون حول رجليه كالعنبّات. وكانت راحيل تراقب من باب خيمتها، فينقبض قلبها انقباضة موجعة. لم يكن غضبها موجهاً إلى الصبيان البريئين، ولا حتى إلى أختها تماماً. كان موجهاً إلى نفسها، إلى جسدها الذي ظلّ كالأرض الملعونة لا يُنبِت. وفي إحدى تلك الأمسيات، حين دخل يعقوب خيمتها، وقعت كلماتها كالحجارة: "هَب لي بنين! وإلاّ فأنا أموت."
نظر يعقوب إليها، وقد أظلم وجهه الذي كان يعرفه الناس صبوراً. "أأنا مكان الله الذي حرمك ثمرة البطن؟" كان صوته حانياً، فيه عتاب القديم الذي يعرف أن بعض الأمور لا تملكها الأيدي البشرية. لكن اليأس في عيني راحيل كان أشدّ من كل حكمة. ففكرت في ما تملكه. وكانت تملك بِلْهَة، جاريتها المصرية التي أتت بها من بيت أبيها. وفي صباح اليوم التالي، دعت بِلْهَة وقالت لها، والكلمات تخرج وكأنها مُرَّة المذاق: "ادخلي على يعقوب، فتُولدين على ركبتيّ، وأنا أيضاً أُبنَى منها." كانت العادة قديمة، كتراب الأرض نفسها، أن تكون الجارية وسيلة لسدّ العجز.
لم تتكلم بِلْهَة كثيراً. كانت عيناها الواسعتان تفهمان الدور الذي سيلعبانه. وولدت ليعقوب ابناً. وعندما وضعت راحيل الطفل الصغير على ركبتيها، شعرت بلذّة غريبة وكأن نبعاً جافاً قد نبض بقطرات ماء قليلة. صاحت قائلة: "قد قضى الله لي، وسمع صوتي، فأعطاني ابناً." وسمّته "دان". لكن الاسم، رغم فرحته، لم يُزِل الصخرة. فعادت وأعطت يعقوب بِلْهَة مرة ثانية، فولدت ابناً آخر. قالت راحيل: "جاهدت جدّاً مع أختي، وغلبت." وسمّته "نفتالي". وكانت كل كلمة من كلماتها تحمل طعم الصراع الخفي الذي لا ينتهي.
أما ليئة، فبعد أن توقفت حَمْلاتها، لم تكن ترقب ما حدث بعيون راضية. كان فمها يُطْبَق على كلمات كثيرة لا تقال. ولكنها رأت أن الضرّتين قد امتلأتا، بينما توقفت هي. فأخذت زِلْفَة، جاريتها، وأعطتها ليعقوب. فولدت زِلْفَة ابناً. صاحت ليئة، ليس بصوت انتصار، بل بصوت فيه شيء من التحدي المرّ: "جيش جاء!" وسمّته "جاد". ثم ولدت زِلْفَة ابناً آخر. فقالت ليئة: "لقد سعدت، فإن النسوة يسمّينني سعيدة." وسمّته "أشير". كان كل اسم يُطلق كعلامة على معركة غير معلنة، على جملة لم تُقَلْ، على حزن يبحث عن تعزية.
وفي أيام حصاد القمح، خرج رأوبين، بكر ليئة، إلى الحقل. وكان فتىً قويّاً، يافعاً، تلمع عيناه ببراءة القوة. فوجد ياسمين بريًا، نباتاً كانت النساء تظنّ أنه يساعد على الحمل، وأتى به إلى أمه ليئة. لم تسأل ليئة من أين أتى، لكنها أخذت النبتة بيد مرتعشة. وفي المساء، عندما جاءت راحيل تزورها، قالت ليئة بصوت هادئ، لكنه حاد كالسكين: "أبقلي أخذت رجلي، وآخذي مضجعي أيضاً؟" كانت تشير إلى الليالي التي يقضيها يعقوب عند راحيل. ثم أظهرت النبتة. "هذا ابنى أعطانيه. فيمَ تتفاوضين عليه معي هذه الليلة؟"
ارتجفت راحيل. كان الطلب صريحاً وقاسياً. لكن اشتياقها إلى الولد كان أقوى من كبريائها. فوافقت. وذهبت الليلة إلى خيمة يعقوب وقالت له: "إليّ تأتي، لأني قد استأجرتك بياسمين ابني." فسمع يعقوب لها. وكانت الصفقة مرّة، تذكّر الجميع بأن الحبّ صار سلعة تُشترى بنبتة برية.
وسمع الله صوت ليئة، فحملت وولدت ليعقوب ابناً خامساً. قالت: "قد أعطى الله أجرتي، لأني أعطيت جاريتي لرجلي." وسمّته "يسّاكر". ثم حملت أيضاً وولدت ابناً سادساً. قالت: "قد وهبني الله هبة حسنة. هذه المرة يكرمني رجلي، لأني ولدت له ستة بنين." وسمّته "زبولون". وبعد ذلك، ولدت ابنة، وسمّتها "دينة". كانت دينة علامة أن البركة ليست محصورة في البنين فقط، لكن قلوب الجميع كانت معلّقة بالذرية التي تحمل الاسم.
وأخيراً، ذكر الله راحيل. ذكرها ليس لأنها صرخت فحسب، بل لأن الزمن كان قد نضج، وكأن الأرض في جسدها كانت تحتاج إلى سنوات من الجفاف قبل أن تستقبل المطر. فحملت وولدت ابناً. وكان الولاد عسيراً، وكأن الجسد الذي اعتاد الخواء يرفض الامتلاء. لكنها ولدته، وصاحت بكل ما في روحها من شوق طويل: "قد نزع الله عاري!" وسمّته "يوسف". وقالت: "يزيدني الرب ابناً آخر." وكانت الكلمة كنبؤة لا تدري هي عمق معناها.
وفي خضّم هذه الحياة المعقدة، كان يعقوب يرعى قطعان خاله لابان. وكانت السنون تمر، وتكثر المواشي، وتتسع الخيام، ويزيد عدد الأسماء التي تُنادى عند المغيب. لكن قلب يعقوب كان يشتاق إلى أرض الموعد، إلى المكان الذي فيه رأى السلّم. وكان يعرف أن البركة التي في بيته، المتمثلة في هؤلاء الأبناء الذين جاءوا من رحمين متصارعتين ومن جاريتين، هي بداية شيء أكبر. شيء لا يفهمه تماماً، لكنه يشعر به كوعود الله، ثقيلة وحلوة كعناقيد العنب في آخر الصيف.
وكانت راحيل تحمل يوسف على صدرها، وتنظر إلى ليئة من بعيد، وأختها تحمل دينة. وتدرك، في لحنات صامتة، أن المعركة لم تكن بينهما فقط، بل كانت جزءاً من نسيج أقدس وأعقد مما تريان. وكان صوت الأطفال يختلط مع صوت النار في الموقد، وصوت الريح في مرجّات فدان آرام، كأن الأرض كلها تترقب ما سيكون من أمر هذه العائلة، المليئة بالحسد والمحبة، بالصفقات والصلوات، بالنقص والنعمة.
التعليقات
التعليقات 0
اقرأ النقاش وأضف صوتك.
للأعضاء فقط
سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش
نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.