كان الظلام قد أسبل ستاره على أرض مصر، ظلاماً ثقيلاً كالسواد الذي يملأ القبر. وفي بيوت العبرانيين، في منطقة جوشن، كان هناك ضوء مصباح يتهادى خلف ستار من الكتان، يلقي بظلال متمايلة على وجوه رجال ونساء وأطفال تجمعوا في صمت مكتوم. كانت رائحة الخبز الفطير، خبز العجين الذي لم يختمر، تملأ المكان، خفيفة كأنفاس الصباح الأولى، تختلط برائحة التراب والماء.
كان موسى قد تحدث بكلمات الرب، وكانت الكلمات ثقيلة كالحجارة المنحوتة في بناء الفرعون. كل أسرة ستأخذ حملاً، ذكراً من الغنم أو المعز، بلا عيب. ويحتفظون به حتى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر، ثم يذبحونه عند العشاء. كان الأطفال يحدقون في الحملان التي رُبطت قرب الأبواب أياماً، حتى صارت جزءاً من المشهد اليومي، حتى صارت لها أسماء في قلوب الصغار. وكان قلوب الآباء تنقبض عند النظر إليها، فهي لم تكن مجذباً للذبح، بل كانت ذبيحة الغفران، فداءً عن البكر.
وفي تلك الليلة، ليلة الرابع عشر، مع سقوط الشفق، خرج الرجال بحجر مصقول وسكين من الصوان. لم يكن هناك هتاف، ولا صياح، بل صمتٌ قطعه فقط صوت النحيب الخافت لبعض النسوة، وصوت حفيف الريح في سعف النخل. ذُبح الحمل، وسال دم أحمر قانٍ، دافئ في الهواء البارد للربيع. أخذ الأبوعزريال، وهو رجل طويل نحيل، يده اليمنى وقد غمسها في وعاء من الفخار فيه الدم، ورفعها نحو عتبة الباب المصنوعة من خشب الجميز. بدأ يمسح على القائمتين والعتبة العليا، ببطء، بتركيز، كأنه يرسم صلاة صامتة. كان الدم يلمع تحت ضوء المشاعل، علامةً للدينونة أن تتجاوز هذا البيت.
داخل البيت، شبّوا النار على أرضية من الطين المدكوك، وشووا لحم الحمل على النار. كانت رائحة الشوي والدخان تُملأ المكان، رائحة طقوس قديمة جديدة. وأكلوا اللحم مع فطير غير مختمر، ومع أعشاب مرة. كانت الأعشاب المرة تذكرهم بمرارة العبودية، بمرارة الطين واللبن، بصراخ المسخّرين. كانوا يأكلون في عجل، أحقاؤهم مشدودة، ونعالهم في أرجلهم، وعصيهم بأيديهم. كانوا مستعدين للرحيل، كمن ينتظر إشارة لا يعرف متى ستأتي.
وفي الغرفة، كان الولد البكر، شمعون، يراقب والده وهو يأكل. كان عمره ثلاث عشرة سنة، وكان يعرف أنه، لولا هذا الحمل، لكان مصيره كمصير أبكار مصر. رأى في عيني أبيه خليطاً من الحزن على الحمل الذي رباه أياماً، والرهبة مما سيحدث، والرجاء في الخلاص. كانت كلمات موسى تدور في رأسه: "فيكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها، فأرى الدم وأعبر عنكم".
وفي القصر، وفي البيوت المصرية في منفوصان وحولها، كان هناك عشاء آخر. لم يكن هناك حمل، ولا دم على العتبات. كان هناك شعور غامض بالخوف، خوف لا يعرف مصدره، كالضباب الذي يزحف من النيل عند المساء. نام المصريون، وأبوابهم مغلقة، لا يعلمون أن الدينونة ستطوف البيوت وتفتش عن البكر.
ثم، عند منتصف الليل، حين كان الظلام في أقصى عمقه، جاءت صيحة. لم تكن صيحة بشرية، بل صوت كتمزق في نسيج الليل نفسه. ثم تلتها أخرى، وأخرى، من كل جهة، من كل حي. صراخ أم فقدت رضيعها، وعويل أب أمام جثة فتى في ريعان الشباب، وزئير حيوان يحتضر. ضربة الرب قد عبرت في أرض مصر وضربت كل بكر، من بكر الفرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الجارية الطاحنة خلف الرحى، إلى بكر البهائم. ولم يكن بيت من بيوت المصريين ليس فيه ميت.
أما في بيوت العبرانيين، حيث الدم على العتبات، كان هناك صمت مختلف، صمت مذهول بالنجاة. كانوا يسمعون الصراخ القادم من بعيد، كعاصفة هوجاء تجتاح المدينة المجاورة، بينما هم في مأمن. كان الأطفال يضمهم آباؤهم، والخوف في عيونهم ليس خوف الموت، بل خوف من جلال ما حدث، من هول العدل الإلهي.
وقبل أن يبزغ الفجر، كان رسل الفرعون قد طرقوا أبواب موسى وهارون. وكان صوت الرسل مرتجفاً: "قوموا اخرجوا من بين شعبي، أنتم وبني إسرائيل، واذهبوا اعبدوا الرب كما تكلمتم. وخذوا غنمكم وبقركم كما تكلمتم واذهبوا". كانت الكلمات تنطلق منهم كمن يلهث، وهم يطلبون البركة أيضاً. لقد تحول جبروت مصر إلى استعجال مرعب يريد التخلص من مصدر الدينونة.
وبينما كانت الشمس تلمع بضوء باهت خلف سحب الغبار التي أثارتها الأحداث، بدأ العبرانيون يخرجون. لم يخرجوا كعبيد هاربين، بل كشعب مطلق، يحملون عجينهم قبل أن يختمر، وأمتعتهم ملفوطة في ثيابهم، وحلي المصريات من ذهب وفضة أعطيت لهم بيد مرتعشة. نظروا خلفهم إلى البيوت التي عاشوا فيها عبيداً، وإلى العتبات حيث جف الدم وأصبح لونه بنياً غامقاً. كان الدم علامة العبور، علامة الفداء. وكانت رائحة الخبز الفطير، خبز العجلة والتحرير، ترافقهم في رحلتهم الأولى نحو البرية، نحو موعد مع جبل لم يعرفوه بعد، نحو ذكريات ستُحكى لأجيال قادمة في ليالي تذكار، ليلة مختلفة عن كل الليالي، ليلة عبرها الرب فأنقذ.