1 كورنثوس 10 العهد الجديد

صخرة المسيح في برية القلب

كان الجوّ حاراً وكثيفاً في كورنثوس تلك الظهيرة، والشمس تُذيب ظلال الأعمدة الرخامية عند السوق. جلستُ في ركن هادئ من البيت، حيث يخترق...

1 كورنثوس 10 - صخرة المسيح في برية القلب

كان الجوّ حاراً وكثيفاً في كورنثوس تلك الظهيرة، والشمس تُذيب ظلال الأعمدة الرخامية عند السوق. جلستُ في ركن هادئ من البيت، حيث يخترق نسيم خفيف من البحر ستائر الغرفة، وأمامي رسالة بولس التي وصلت منذ أيام. كانت الرقوق ملساء تحت أصابعي، وكلماته تثقب صمتي كما يثقب المطر أرضاً قاحلة.

تذكرتُ، وأنا أقرأ، رحلاتي القديمة إلى سيناء. يا لها من ذكرى! كانت الحرارة هناك مختلفة، جافة وقاسية، تحمل في طيّاتها صرخات تاريخ مضى. وكأن بولس يأخذ بيدي الآن ويسير بي بين تلك التلال المحترقة. يهمس في أذني: "لأنني لا أريد أن تجهلوا أيها الإخوة أن آباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة". أغمضتُ عينيّ فرأيتهم، أولئك المساكين تحت سحابة النهار، عمود النار في الليل، يعبرون بحراً كالجدار وينابيع تتفجر من صخر. كل تلك العجائب، ومع ذلك... ومع ذلك سقط معظمهم في البرية.

تتنهد نفسي. كم هذا مألوف! كم من مرة رأيتُ نعمة واضحة كالشمس، ثم التفتُ بعد قليل لأجد قلبي يتوق لصنم من صنعي. يكتب بولس بألم الأب الذي يرى أبناءه يكررون خطايا الأجداد: "ولا تكونوا عابدين أوثاناً كما كان أناس منهم". وأتخيل تلك المجامر السرية في خيام بني إسرائيل، رائحة اللحم المقدم للأصنام تمتزج برائحة المنّ الذي ينزل من السماء. التناقض المُزلزل للقلب البشري: يشرب من ينبوع الخلاص ثم يلتفت ليشرب من كأس الشياطين.

انقطعتُ عن القراءة، ونظرت من النافذة. كانت كورنثوس تزخر بمعابدها، وعبق البخور الغريب يصل أحياناً مع الريح. كم من مؤمن هنا يجلس على مائدة الرب في اليوم، ثم يزور معبد بوسيدون في الغد، وكأن الإله الحقيقي يُضاف إلى قائمة الآلهة! يصرخ بولس: "لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس شياطين". الكأس واحدة، يا أحبائي. إما شركة مع المسيح، أو شركة مع قوى الظلمة. لا وسط بينهما.

استرجعتُ ذاكرتي إلى تلك الليلة في برية فاران، حيث سمعتُ ذات مرة من شيخ بدوي قصة العجل الذهبي. لم يكن الأمر مجرد تمثال، بل كان رغبة مختبئة في جعل الله شيئاً ملموساً، محكوماً، يُدار حسب أهوائنا. أليس هذا ما نفعله حين نطلب بركات من دون البارك، أو نصنع من العادة الدينية غطاءً لقلب بارد؟ كتب بولس: "ولا تزنوا كما زنى أناس منهم فسقط في يوم واحد ثلاثة وعشرون ألفاً". الزنى هنا ليس جسدياً فقط، بل هو خيانة العهد. هو التلفت نحو مصادر أخرى للحياة، كمن يطلب الري من بركة آسنة وهو يقف على ضفة نهر عظيم.

قامتْ حفيدة صغيرة لي تلعب في الفناء، ضحكتها تملأ المكان. ففكرت: كل هذه التحذيرات ليست لتحطيمنا، بل لحمايتنا. كما يحمي الجد حفيدته من النار، هكذا يحذّرنا الله. "فإذا من ظن نفسه قائماً فلينظر أن لا يسقط". الكبرياء هو الباب الواسع لكل السقطات. من يتخيل نفسه متحصناً، هو الأكثر عرضة للسقوط.

عدت إلى الرسالة، إلى تلك الكلمات التي تلمع كالمنقذ في ليل بحر هائج: "لم تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلَّا بَشَرِيَّةٌ. وَلَكِنَّ اللهَ أَمِينٌ". نعم، التجارب التي تواجهنا في كورنثوس اليوم – الشهوة، حب الاستقلال عن الله، عبادة القوة والمال والملذات – هي نفسها منذ خرج أجدادنا من مصر. الطبيعة البشرية لم تتغير. ولكن نعمة الله أيضاً لم تتغير. هو نفسه ذلك الصخر الذي ضربه موسى فانفجرت منه مياه. هو نفسه الذي يقول: "اَلْخَرَاصِيلُ الَّتِي لَهُمْ نَصِيبٌ فِيهَا فَلَنَا نَحْنُ أَيْضاً نَصِيبٌ فِيهَا".

انحنى رأسي. الشمس بدأت تميل نحو الغرب، وظل عمود السور امتدّ كسهم طويل. شعرت كمن خرج من رحلة شاقة. ليست رحلة في صحراء جغرافية، بل في صحراء القلب. بولس لم يكتب ليخوّف، بل ليرشد. كمن يضع علامات على طريق وعرة، قائلاً: هنا سقط أبوك، فاحذر. وهنا وجد المغفرة، فتقدم.

طويت الرقوق برفق. الصوت الوحيد في الغرفة الآن هو خرير ماء النافورة الصغيرة في الزاوية. حتى ذلك الصوت ذكرني بما كتبه: "جَمِيعُهُمْ شَرِبُوا شَرَاباً وَاحِداً رُوحِيّاً، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ".

البرية لا تزال قائمة. والطريق طويل. ولكن الصخرة – نعم، الصخرة – تسير معنا. وهذا يكفي.

التعليقات

التعليقات 0

اقرأ النقاش وأضف صوتك.

للأعضاء فقط

سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش

نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.