كان الجوّ بارداً داخل الغرفة الحجرية الضيقة. ليس برد الشتاء القارس، بل ذلك النوع الرطب الخفيّ الذي يتسلل من الحجارة العتيقة، يلتصق بالعظام ويثقل الجفون. كان بولس جالساً على حصيرة من القش البالي، ظهره يستند إلى الجدار الخشن. قيود حديدية ثقيلة تربط معصمه بسلسلة متصلة بحلقة مثبتة في الجدار. كان يصغي إلى صوت خطوات الحارس خارج الباب، المنتظمة المملة، قبل أن تبتعد في الممر.
تنهد، ليس تنهد يأس، بل تنهد رجل يحمل في داخله بحراً من الأفكار. نظر إلى الرقعة الجلدية الممدودة على ركبتيه، وإلى أدوات الكتابة البسيطة بجانبه. كان الضوء الخافت القادم من فتحة صغيرة عاليا يكفي ليرى الكلمات التي بدأ بكتابتها.
"بولس وتيموثاوس، عبدا يسوع المسيح، إلى جميع القديسين في المسيح يسوع الذين في فيلبي..."
توقف قلبه لحظة. "جميع القديسين". رأى وجوهم في مخيلته. ليديا، بائعة الأرجوان، وكيف استمعت بكل قلبها عند النهر. ذلك الحارس الروماني وسريره الكامل بعد أن آمن هو وكل أهل بيته. وجوه تشرق بالبساطة والإيمان. ابتسم في الظلمة. كم كان ممتناً لهم. كل مرة يذكرهم فيها لله، يفيض قلبه فرحاً.
لكن الفرح الآن كان مختلفاً. كان كالنبع الذي ينبع من صخرة صلبة. لأنه هنا، في هذه الزنزانة، تحت حراسة الحرس الإمبراطوري، أدرك حقيقة غريبة. سجنه هذا لم يوقف الكلمة. بل على العكس. لقد انتشر خبر "أسير المسيح" في كل القصر، بل وإلى أماكن أبعد. حتى بعض الإخوة، ممن يكرزون بدوافع خلافية وحسد، يعلنون المسيح. وكان هذا يكفيه. المهم أن المسيح يُعلَن. هذا كان شغله الشاغل.
سمع صوت المفتاح يتحرك في القفل. دخل الحارس، شاب روماني ذو عينين متعبتين، يحمل وعاءاً خشبياً به حساء بارد. وضعه على الأرض بجانب بولس.
"كلماتك اليوم، أيها اليهودي؟" سأل الحارس، وصوته يحمل شيئاً من الفضول الممزوج بالتعب.
نظر إليه بولس، وعيناه تلمعان بضوء داخلي. "أكتب لأحبائي. لأخبِرهم أن ما حدث لي، قد آَل إلى تقدم الإنجيل."
ضحك الحارس ضحكة قصيرة مكتومة. "تقدم؟ أنت مقيد، تنتظر محاكمة قد تنتهي بإعدامك. أين التقدم في هذا؟"
أمال بولس رأسه. "لأن قيودي هذه صارت معروفة في كل مكان. لأن كثيرين من الأخوة، بثقة أكثر، يتكلمون بكلمة الله دون خوف."
صمت الحارس لحظة. كان قد سمع أحاديث بين الضباط. حديث عن "طريق" جديدة، عن إله يموت ثم يقوم. عن رجاء لا يكسره السجن أو السيف. نظر إلى بولس، هذا الرجل المسنّ المقيد، الذي كان وجهه يشعّ بسلام لا يفهمه.
"غداً سآتي بالحبر الجديد الذي طلبته." قال الحارس بسرعة، ثم خرج وأغلق الباب.
بقي بولس وحيداً مع أفكاره ومع ذلك اليقين العميق. عاد إلى كتابته، لكن الكلمات لم تكن سهلة اليوم. كانت هناك معركة في داخله. رغبة صادقة في الانطلاق، في أن يحلّ، في أن يرى أحباءه في فيلبي مرة أخرى، في أن يتابع السفر والكرازة. هذا كان أفضل لهم، كان يعرف ذلك.
لكن هناك حقيقة أخرى تطلّ من أعماقه، قوية كالصخرة. "لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً". الموت لم يكن عدواً. كان بوابة. كان لقاء. كان راحة من الألم ومن صراع هذا العالم. كم تاقت روحه لذلك اللقاء.
انحنى على الرقعة وكتب بخط أكثر حزماً: "ولكن أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم." هذا كان الاختيار. ليست الحياة من أجل الحياة، ولا الموت هرباً من المشقّة. بل الاختيار من أجل الآخرين. من أجل نموهم في الإيمان، من أجل فرح إيمانهم. سيبقى. سيتحمل السجن، وعدم اليقين، وكل شيء، من أجلهم.
بدأت الكلمات تتدفق الآن. نصائح من قلب أبوي. أن يسلكوا بطريقة تليق بإنجيل المسيح. أن يقفوا في روح واحدة، نفس واحدة. أن لا يخافوا من المقاومين. لأنه أعطي لهم لا أن يؤمنوا به فقط، بل أن يتألموا لأجله أيضاً.
توقف مرة أخرى. تألموا لأجله. نظر إلى قيوده. كان الألم شرفاً. كان شركة في آلامه. ابتسم مرة أخرى، ابتسامة عميقة حزينة ومفرحة في آن واحد.
كتب حتى بدأ الضوء الخافت في الفتحة يخفت، مشيراً إلى اقتراب المساء. كانت رسالته تأخذ شكلها. رسالة فرح من سجن. رسالة ثقة من وسط الضيق. رسالة حب من رجل يعرف أن حياته ليست ملكه.
في النهاية، كتب التحية الأخيرة. نذراً بأنه سيُرسل تيموثاوس إليهم قريباً، وهو يثق بالرب أنه سيأتي هو نفسه أيضاً. ثم تلك الجملة التي خرجت من أعماق اختباره: "أما تعليمنا فسماوات، ومنها ننتظر مخلصاً هو الرب يسوع المسيح، الذي سيغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده..."
وضع القلم. شعر بتعب عميق، لكنه ليس تعب اليأس، بل تعب الرجل الذي أفرغ قلبه على الورق. كان العالم خارج الزنزانة يجهل ما كُتب هنا. لكن كلمات هذا السجين، المليئة بالفرح الغريب والثقة التي تتحدى الظروف، ستسافر عبر البحر، ستُقرأ في بيت ليديا، وسيكون لها صدى عبر القرون، نبع ماء حي ينبع من أعمق السجون، وشهادة على أن الحياة الحقيقية لا تقيّدها سلاسل.
التعليقات
التعليقات 0
اقرأ النقاش وأضف صوتك.
للأعضاء فقط
سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش
نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.