المزامير 72 العهد القديم

ملك يبحث عن الحكمة

في تلك الأيام، حين كان الصيف يقبض على المروج بحرارة ذهبية، وتتهادى غيوم بيضاء كقطع صوف ناعم فوق التلال، جلس الملك الشيخ على كرسيه...

المزامير 72 - ملك يبحث عن الحكمة

في تلك الأيام، حين كان الصيف يقبض على المروج بحرارة ذهبية، وتتهادى غيوم بيضاء كقطع صوف ناعم فوق التلال، جلس الملك الشيخ على كرسيه المصنوع من خشب الأرز العتيق. لم يكن الجلوس للراحة، بل كان جلوس تفكر وتأمل. أمامه، على منضدة من الحجر الأملس، مخطوطة مفتوحة، كلماتها الباهتة تروي أحلامًا عن حاكم قادم. هو نفسه، الملك، شعر بأن عمره ينحسر كمد البحر عند الغروب، وأصابع يديه، الموشومة بتجاعيد السنين، ترسم في الهواء صورة مملكة لم يرها.

نظر من الشباك الضيقة في قصره الحجري. رأى أسواق المدينة تنبض بالحياة: تجار الزيتون يرفعون أصواتهم، ونساء يحملن جرار الماء على رؤوسهن في اتزان عجيب، وأطفالًا يلاحقون بعضهم بين الأزقة الضيقة. لكن عينيه البعيدتين رأتا أكثر من ذلك. رأتا وجه الفلاح في الحقل البعيد، يجثو على ركبتيه ويحني ظهره تحت الشمس، بانتظار قطرة ندى أو خير حاكم. رأتا وجه الأرملة في الظل، تخفي رغيفها الأخير تحت ثيابها خوفًا من الجوع. وسمعتا، من بعيد، صرخة مظلوم لم يصل صوته إلى أبواب القصر بعد.

في قلبه، الذي صار أثقل من حجر الطاحونة، بدأت كلمات المخطوطة القديمة تنبض كنبض جديد: "اللهم أعطِ أحكامك للملك، وبرَّك لابن الملك. يدين شعبك بالعدل، ومساكينك بالحق." همس الكلمات كما لو كان يغرس بذرة في تربة قلبه اليابسة. لم يكن يطلب مجدًا لاسمه، بل طلب حكمة. حكمة تعرف ثقل التاج قبل لمعانه، وتبحث عن وجه الضعيف قبل أن ترفع وجه القوي.

وفي اليوم التالي، عندما جلس للحكم في الساحة الكبرى، كان الأمر مختلفًا. لم يأمر بحضور رجال الحرب أو وجوه القبائل أولًا. بدلًا من ذلك، طلب أن يُدخل إليه الرجل الذي اشتكى من جاره لأنه سرق بكرته الوحيدة. استمع الملك، وأطرق طويلًا، ثم أمر بأن يعوَّض الرجل ليس ببكر واحدة، بل ببكرتين من اسطبلات القصر، وأن يُسامح الجار بعد أن يعمل في خدمته لمدة قمرين ليتعلم قيمة الكدح. دهش الحاضرون. كان العدل يأتي من حيث لا يتوقعون، بلطافة وبطء، لكنه كان يصل إلى الأعماق.

بدأت رياح التغيير تهب، رقيقة في البداية كنسيم الربيع. أرسل الملك وكلاءه إلى الأقاليم النائية، ليس لجمع الضرائب فحسب، بل ليسمعوا. كانوا يحملون معهم ألواح طين ليدونوا عليها شكاوى الناس: سقف انهار هنا، وبئر جفت هناك، وتاجر غشّ موازينه في سوق القرية. وكان الملك، كل مساء، يقرأ هذه الألواح تحت ضوء المصباح الزيتي، وعيناه تدمعان أحيانًا من شدة ما يراه. ثم يأمر، ليس بصرامة جبار، بل كما يأمر أب أبناؤه منتشرون في الأرض.

ذات يوم، وصلت أخبار من حدود الجنوب، حيث الصحراء تلتهم الأخضر واليابس. كانت هناك قبائل تعاني من القحط، ولم تعد الإبل تجد مرعى. كتب له وكيله: "يا سيدي، العيون там تبكي دمًا لا ماء." قرأ الملك الرسالة، ثم أغمض عينيه. تذكر كلمات المخطوطة: "يدفع عن المسكين المستغيث، والبائس الذي لا معين له." لم ينادِ قادة الجيش لينظروا في أمر الغزو أو تأمين الحدود. بل نادى وكيل الخزائن وأمره بأن تحمل قوافل من القمح والتمر والزيت، تحرسها فرقة صغيرة من الرجال، ليس للقتال، بل لتمهيد الطرق وحماية الخير من لصوص الصحراء. "ليذهب معكم أيضًا من بني الأطباء"، قال الملك، "فالجسد الجائع يحتاج الطعام، والجسد المريض يحتاج الشفاء".

سارت القوافل كخط طويل من النمل الأمين على رمال متوهجة. وعندما وصلت، لم تصدق عيون أهل تلك النواحي ما رأت. اعتقدوا في البداية أنها رؤيا من شدة العطش. لكن الطعام كان حقيقيًا، والشفاء وصل. وسرى خبر في كل المنطقة: "ملكنا لا ينسى من في آخر الأرض". وعادت القوافل محملة ليس بالذهب أو الهدايا، بل برسائل من شيوخ القبائل، كلماتها محفورة على جلود غنم: "دمنا أصبح دمك، وغنمنا أصبحت غنمك. نحن في ظلك".

وفي القصر، كان الملك الشيخ يشيخ أكثر، لكن قلبه كان يشب. رأى في أحلامه أمورًا عجيبة: كأن جبال المدينة تدر ذهبًا وفضة ليس من عروقها، بل من عدل حاكمها. وكأن نهر المدينة، الذي كان في بعض الأيام ضعيفًا، صار يجرى مندفعًا من لبن وعسل. ورأى وجه شاب لم يولد بعد، وجهه كالشمس حين تشرق في صفاء، يحكم من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض. كان هذا الحلم يملأه رجاء لا ينضب.

مرت سنوات، وصارت الأمطار تتساقط في أوقاتها على المملكة. لم يكن ذلك من قبيل الصدفة، بل لأن الفلاحين الذين أمنوا على أرزاقهم، اهتموا بالأرض أكثر. وصارت الحبوب تملأ المخازن، وصارت وجوه الأطفال ممتلئة وصحية. كان التجار يأتون من بلاد بعيدة، من سبأ وتشحم، حاملين البخور والذهب، ليس لأن الملك فرض عليهم الجزية، بل لأنهم سمعوا بسلام هذه الأرض وببركة تجارتها، فأرادوا أن يكونوا شركاء في هذا السلام.

وفي يوم من الأيام، بينما كان الملك جالسًا في شرفة قصره المشرفة على المدينة، جاءه حفيده الصغير. نظر الصبي إلى وجه جده المجعد، ثم إلى المدينة الممتدة تحتهم، هادئة ومزدهرة. سأل: "جدّي، هل نحن الأغنياء في العالم؟" نظر الملك إلى العينين البريئتين، ثم أشار بيده المرتعشة إلى الحقول الخضراء، إلى السوق الممتلئ بالبضائع، إلى الناس الذين يمشون دون خوف. قال بصوت خافت كحفيف أوراق الشجر: "الثروة الحقيقية، يا ولدي، ليست ما في الخزائن، بل ما في القلوب. عندما ينام الصغير والشيخ في أمان، عندما يبتسم المسكين وهو يجد قوته، عندما تصبح الأرض كلها ممتلئة من مجد العدل كالمياه التي تغطي البحر... حينها تفهم أن الغنى هو أن يحبك الناس كما تحبهم".

ومع آخر كلمة، أشرقت الشمس من بين سحابتين، فغطت نورها وجه الملك الشيخ كما بتاج من نور. وعرف الحاضرون أن هذا كان مجرد بداية، وأن الصلاة التي تملأ المخطوطة القديمة ستستمر في التحقق، جيلاً بعد جيل، حتى يأتي اليوم الذي فيه تثمر البرية كل أيام الدهر، وتنعم جميع الأمم بالبركة.

التعليقات

التعليقات 0

اقرأ النقاش وأضف صوتك.

للأعضاء فقط

سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش

نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.