منتظر الرب

كان الفجر يُشقّق حجاب الليل بلونٍ بين الرمادي واللّون التفّاحي الباهت، حين جلس العجوز "ألياقيم" على حجرٍ مستوٍ قرب جدول الماء. كان...

منتظر الرب

كان الفجر يُشقّق حجاب الليل بلونٍ بين الرمادي واللّون التفّاحي الباهت، حين جلس العجوز "ألياقيم" على حجرٍ مستوٍ قرب جدول الماء. كان المكان معزولاً، في منحدرٍ وادٍ بين جبال اليهودية، حيث لا يسمع إلا حفيف السرو القديم وهدير الماء المتدفق من نبعٍ خفي. كان يعرف هذا المكان جيداً. هنا، منذ سنوات كثيرة، اختبر شيئاً لم يستطع أن يمحوه الزمن من ذاكرته.

لم يكن ينتظر أحداً. كانت يداه، المُجعدتان كأوراق الزيتون في الشتاء، تمسكان بدرج من جلد ماعز، مكتوب عليه بكلمات سوداء. لكن عينيه لم تكونا على النص. كانتا تنظران إلى الماء المتدفق، وكأنما يقرأ في تدفقه سطوراً أخرى. تذكر صوتاً. ليس صوتاً خارجياً، بل صوتاً من أعماقه، من زمن كان فيه كمن سقط في جبّ عميق، لا قاع له. كان ذلك الصوت صراخاً لم يَخرج من حنجرته فحسب، بل من كل كيانه: "انْتَظَرْتُ انْتَظَرْتُ الرَّبَّ، فَمَالَ إِلَيَّ وَسَمِعَ صُرَاخِي".

كانت الأيام التي سبقت ذلك الخلاص غائمة في ذاكرته، لكن طعم اليأس ما زال مراً على لسانه. كان يشعر بأن الطين قد التصق بروحه، بقدميه، بسحنتِه. طين الوحل الذي لا قعر له، وهو ينزلق فيه دون أن يجد ما يتمسك به. لم يكن يأساً من فقر أو مرض جسدي فقط، بل يأسٌ من نوع آخر: صمتٌ يبدو وكأنه أبدي. صمت السماوات. وكان يصرخ، والطين يعلو فوهته، حتى كاد أن يختنق. ثم... لم تكن هناك معجزة مرئية. لم يهتز الجبل. لكن شيئاً ما تغير. كأن حجراً قد دُحرج من على قلبه. كأن يداً قوية أمسكت بمعصمه وهو يغرق، ليس لترفعه فجاءة إلى البر، بل لتعلمه كيف يتحرك في الوحل، خطوة خطوة، حتى وجد تحت قدميه صخرةً ثابتة. "وَأَصْعَدَنِي مِنْ جُبِّ الْهَلَكَةِ، مِنْ طِينِ الْحَمَأَةِ، وَأَقَامَ عَلَى صَخْرَةٍ رِجْلَيَّ. ثَبَّتَ خَطَوَاتِي".

أغمض عينيه الآن، واستنشق رائحة التراب الرطب التي تثيرها أولى أشعة الشمس. نسمة باردة لامست وجهه. كان هذا هو "النشيد الجديد". لم يكن مجرد تسبيح يُرتّل في الهيكل. لقد كان لحناً وُلد من صمت انكسر، من يأس تحول إلى ثقة. لقد وضع هذا اللحن في فمه، كما يضع الأب كسرة خبز في فم طفله. وكانت النتيجة أن كثيرين رأوا، ليس وجه ألياقيم، بل مصدر رجائه. "فَجَعَلَ فِي فَمِي نَشِيداً جَدِيداً، تَسْبِيحاً لإِلهِنَا. يَرَى كَثِيرُونَ وَيَخَشَوْنَ، وَيَتَّكِلُونَ عَلَى الرَّبِّ".

سُمع صوت أوراق تُداس خلفه. جاء شابٌ، ابن جاره، وجهه متجهمٌ كأنه يحمل أسئلة أثقل من حمولة حمار. جلس بجانب العجوز دون كلام. بعد برهة، همس الشاب: "يقولون أنك تعرف أسرار الصلاة".

نظر ألياقيم إليه، وابتسم ابتسامة لا تخلو من ألمٍ قديم. "لا أعرف أسراراً يا بني. لكني تعلمت أن الذبيحة والتقدمة لم تكن تُسرّه. ليست الطقوس وحدها هي التي تثقب السحاب".

توقف، والتقط حصاة ملساء ألقى بها في الجدول. راقب الدوائر المتسعة. "لقد جاء يوم، وأدركت أن ما يريده هو أنفسنا. كليتنا. أذننا المفتوحة. 'ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً لَمْ تُرِدْ، أَمَّا الأُذُنَ فَقَدْ حَفَرْتَ لِي'. عندما تسمع، حقاً تسمع، فإن الطاعة لا تكون عبئاً، بل تكون كالنشيد الذي يكتب نفسه على قلبك. 'شَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي'. إنها تصير جزءاً منك، كالنبض في عروقك".

كانت الشمس قد علت الآن، وأضاءت صفحة الماء بلمعان ذهبي. لكن وجه الشاب ظل مظلماً. "والشر الكثيف من حولنا؟ الظلم؟ أولئك الذين يتربصون بي؟"

التفت إليه العجوز، ونظر بعينين صافيتين كالماء الذي أمامهما. "هل تظن أن الصخرة التي تحت قدمي تحميني من كل عاصفة؟ لا. لكنها تمنعني من الغرق في الوحل. 'لاَ تَمْنَعْ يَا رَبُّ رَأْفَتَكَ عَنِّي'. هذا هو ندائي. ليس نداء النصر الكامل، بل نداء الثقة في وسط العاصفة. أما الذين يتربصون... 'لِيَخْزَ وَلْيَرْتَدِ إِلَى الْوَرَاءِ جَمِيعُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ لِيَ الشَّرَّ'. هذه ليست لعنة ألعنها بها، بل هي ثقة بأن الشر، في النهاية، سينكسر على صخرة الحق. لكنك ترى... النقطة ليست هنا".

أمسك بذراع الشاب بلطف. "النقطة هي أن تبدأ من حيث أنت. من جب الهلاك الذي تشعر به. أصرخ. انتظر. الانتظار نفسه هو فعل إيمان. وسيميل إليك. ليس بالضرورة ليحل مشكلتك كما تتخيل، بل ليضع قدميك على الصخرة. وستجد، حتى في ضيقتك، أن قلبك يبدأ بإنشاد ذلك النشيد الجديد. نشيد الخلاص. لأنه هو خلاصنا، وهو رجاؤنا. 'الرَّبُّ مُعْتَزٌ بِنَا'. هذا يكفي".

قام العجوز، وترنح قليلاً قبل أن يثبت قامته. أعطى الدرج الجلدي للشاب. "اقرأ المزمور. ثم اكتب مزمورك أنت".

مشى ببطء صاعداً في المسلك الضيق نحو القرية. كان ظله طويلاً على الأرض. وكان الشاب جالساً، ينظر إلى الماء، ثم إلى الكلمات القديمة على الجلد. وفجأة، في صمت ذلك الوادي، بدأ يسمع، ليس بصوت ألياقيم، بل بصوتٍ من أعماقه، همسةً تتردد: "انْتَظَرْتُ انْتَظَرْتُ الرَّبَّ...". وكان في الانتظار ذاته، بذرة النشيد الجديد.

التعليقات

التعليقات 0

اقرأ النقاش وأضف صوتك.

للأعضاء فقط

سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش

نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.