قصة كتابية

جلال الرب في البرية

في ذلك الصباح، لم تكن الشمس قد تجاوزت الجبال بعد. كان الهواء لا يزال يحمل نسمات الليل الباردة، ممزوجة برائحة التراب الرطب والأعشاب...

الكتاب المقدس

في ذلك الصباح، لم تكن الشمس قد تجاوزت الجبال بعد. كان الهواء لا يزال يحمل نسمات الليل الباردة، ممزوجة برائحة التراب الرطب والأعشاب البرية. وقف إلياس على تلة صغيرة قرب خيمته، يتنفس ببطء، وهو يشاهد العالم يستيقظ من حوله. لقد عاش طوال عمره في البرية، يرعى غنمه، ويعرف مسارات النجوم وأسماء الرياح، لكن قلبه، في صمت هذه اللحظات الأولى من النهار، كان مليئاً بما لا يستطيع التعبير عنه إلا بالصمت نفسه.

انبسطت السهول أمامه كسجادة هائلة، تموجت بها نباتات خضراء وحشائش ذهبية. نظر إلى الجبال البعيدة، قممها ما تزال مغطاة بغطاء من الضباب الأبيض، كأنها ترتدي ثياباً من نور خفيف. تذكر كلمات سمعها من شيخ قبيلته منذ زمن طويل، كلمات كانت ترن في أذنه كلما رأى هذا المشهد: "يا رب إلهي، لقد عظَّمْتَ جِدّاً. لَبِسْتَ الجَلاَلَ وَالبَهَاءَ".

هنا، في هذا الامتداد الذي لا ينتهي، رأى الجلال. ليس في شيء واحد، بل في كل شيء. في حجر صغير ملس من جراء السيل، في ظل سحابة عابرة يلقي برداً على الأرض الظمأى، في صفير الريح بين الصخور. لقد ألقت السماء، كالستار الأزرق الهائل، على هذه الأرض. أسس الجبال على قواعدها، فلا تتزعزع أمام عواصف الشتاء الهوجاء. لكنه رأى أيضاً كيف أن المياه، عندما تغضب وتفيض، تفرُّ عند زجر صوت الرب، وإلى الجبال تصعد وإلى الوديان تنحدر، إلى المكان الذي أسسته لها.

خرجت من كهف في سفح الجبل القريب مجموعة من الأيائل، تشرب من مجرى ماء صغير. كانت المياه تترقرق بهدوء، حاملة الحياة إلى كل مكان تذهب إليه. "أنت الذي يرسل العيون فتفجر الأودية، بين الجبال تجري". كانت هذه المياه هي نفسها التي تسقيه وغنمه، وتسقي شجرة التين الوحيدة التي نمت بقرب مضربه، وتحمل في ثناياها أسماكاً فضية صغيرة ترقص مع التيار. كل شيء مرتبط بهذا الخيط الفضي من الحياة.

رفع بصره إلى السماء. رأى طيوراً تحلق عالياً، تحرك جناحيها بقوة وثقة. البجع، والبلشون، والعصافير التي لا تحصى. أين تبني أعشاشها؟ في شجر الأرز العتيق على منحدرات الجبل، والذي كان الرب قد غرسه. هناك، وسط الأغصان المتشابكة، توجد بيوتها. حتى طائر السنونو الصغير يجد مسكناً. وتسمع الغابة كلها، مع الفجر، نشيدها المتناغم. كان صوتاً لا ينقطع، صلاة شكر مستمرة لا يعرفها إلا الذي خلقها.

وتحركت الريح، رياح الصباح الدافئة الآن، حاملة رائحة الزعتر وإكليل الجبل البري. "أنت الذي يجعل الريح رسلاً لك، والنار الملتهبة خدّامك". أليس النار هي التي تدفئه في ليالي الشتاء القارسة، وتطبخ طعامه، وتبعث النور في الظلمة؟ وكم مرة رأى البرق يخطف بصره، والرعد يدوي في الأودية كصوت عظيم، ثم يأتي المطر المنعش فيروي الأرض ويجعلها تنتفض خضرة وخصبة؟

تطلع إلياس إلى أرضه. رأى كيف أن العشب ينمو للبهائم، والنباتات لخدمة الإنسان. رأى الخبز الذي يخرج من الأرض، والخمر الذي يفرح قلب الإنسان، والزيت الذي يلمع بوجهه. كل شيء من أجل أن يشبع ويرضى. "تروي الجبال من علاليك، من ثمر أعمالك تشبع الأرض". حتى الحيوانات تجد رزقها في حينه: الأسد الصغير يزأر طالباً فريسته، وعندما تغرب الشمس، تخرج جميع وحوش البرية.

بدأ النهار يشتد. ذهب إلياس ليجلب الماء، وفي طريقه رأى أفعى تنساب بين الصخور، وسحلية تستمتع بحرارة الشمس على حجر. كل المخلوقات، الكبيرة والصغيرة، المرئية والخافية، لها مكانها ودورها. البحر الواسع، هناك في الأفق حيث تلتقي السماء بالأرض، كان يعج بحياة لا يعرفها. السفن تجري فيه، والحيتان تلعب في أعماقه، تلك التي خلقها الرب لتمرح فيه.

وتأمل في دورة الأيام والفصول. الشمس تشرق فتهرب الحيوانات إلى أوكارها، ويخرج الإنسان إلى عمله حتى المساء. ثم تأتي الظلمة، فتملأها أصوات مختلف المخلوقات الليلية، تبحث عن طعامها. وهكذا دواليك. الشمس تعرف مشرقها، والقمر يعرف منزله. الظلمة كانت، ثم النور. كل شيء بمقياس، وبترتيب، وبحكمة تفوق الفهم.

جلس عند مغيب الشمس، والشعاع الأخير يلمع على قمة الجبل كتاج من ذهب. شعر بتواضع عميق، وبفرح غامر. هذا العالم العظيم، بكل تعقيده وجماله، مستمر لأن روح الرب هي التي تجدده. "ترسل روحك فتخلق، وتجدد وجه الأرض". لو حجبت وجه الرب لاضطرب كل شيء، لو سحبت روحها لفسد الخليقة كلها وعادت إلى التراب.

رفع قلبه في صمت. لم تكن كلمات، بل كان انسكاباً للروح. "فليكن مجد الرب إلى الأبد، ليفرح الرب بأعماله". هو يفرح بهذا الخلق، وهو يراه حسن. والنظرة التي يلقيها الرب على الأرض تجعلها ترتعد، ولكنها أيضاً تجعلها تزهر.

عندما ظهرت النجوم الأولى، عاد إلياس إلى خيمته. كان قلبه ممتلئاً بشيء ثقيل وحلو كالعسل. عالم الرب واسع، لكنه في تلك الليلة، تحت سماء مرصعة بالأنوار، شعر وكأنه في بيت واحد كبير، كل شيء فيه ينتمي إلى بعضه، وكل شيء يسبح باسم واحد. ونام، وفي أذنه صوت المياه الجارية، كأنها ترتل دون توقف مزمور الخليقة الأبدي.