اللاويين 13 العهد القديم

شفاء عزرة وطريق العودة

كان الصباح بارداً عندما استيقظ عَزْرَا على حكة غريبة في ساعده. لم يُعرها اهتماماً في البداية، فالحياة في المخيم تحتاج إلى كل طاقة،...

اللاويين 13 - شفاء عزرة وطريق العودة

كان الصباح بارداً عندما استيقظ عَزْرَا على حكة غريبة في ساعده. لم يُعرها اهتماماً في البداية، فالحياة في المخيم تحتاج إلى كل طاقة، وقطيع الغنم لا ينتظر. لكن الحكة استمرت، وتحولت إلى بقعة باهتة تختلف عن لون جلده. شعر بقلق خفيّ، كدبيب نمل في الصدر، فتذكر كلمات الشريعة التي كان يسمعها من الكهنة حول النجاسات والطهارات.

بعد أيام، لم تكن البقرة باهتة بل بيضاء كالثلج، ومحيطها أحمر قليلاً. خاف عَزْرَا خوفاً عميقاً. في قلبه، عرف أنه يجب أن يذهب إلى هارون الكاهن، أو إلى أحد أبنائه. كانت فكرة المواجهة ثقيلة. العزلة عن المخيم، عن أسرته، عن مدخنة خيمته في المساء... كانت كابوساً يطارده.

ذهب في اليوم السابع. كان الكاهن أليعازر رجلاً هادئاً، بعينين عميقتين تعرفان معنى الطقس ومعنى الرحمة. نظر أليعازر إلى البقرة بتركيز شديد. لمسها بأصابعه الخشنة، شعر بعمقها، بلونها. كانت بيضاء نقية، والشعر فيها تحوّل إلى أبيض. تنهد أليعازر تنهيدة خفية. حسب الشريعة، هذا يشبه نجاسة البرص. لكنه لم يصرّح بالنجاسة مباشرة. قال له: "اعزل في خيمة خارج المخيم سبعة أيام. ثم عد إليّ".

كانت تلك الأيام السبعة أطول من سنوات. كان عَزْرَا يراقب البقرة كل صباح ومساء، قلبه بين الرجاء والخوف. في اليوم السابع، عاد إلى أليعازر. الكاهن نظر مرة أخرى. لقد انتشرت البقرة قليلاً على جلده. لم تكن قد تضاءلت. أمال أليعازر رأسه، وصوته كان حزيناً لكنه واضح: "نجس. أنت نجس".

عندها نادى أليعازر واحداً من المساعدين وقال له بصوت عالٍ يسمعه القريبون: "انزع ثيابه. لا تترك عليه إلا ما يغطي عورته. وشعره فليكن مسبلاً. وليغطّ شفتيه ويصرخ: نجس، نجس". كان كل شيء يحدث بسرعة. شعر عَزْرَا بالقماش ينتزع من جسده، بالهواء البارد يلامس جلده المكشوف. لم يكن الألم في البقرة البيضاء، بل في النظرات، في الابتعاد التلقائي للناس، في صوت صرخته هو نفسه وهو يعلن نجاسته للعالم.

عاش خارج المخيم، في مكان منعزل. يأتيه طعامه على حجر يوضع قرب مكانه، ويبتعد الرامي به كما يبتعد من نار حامية. كان يقضي أيامه يتأمل في حياته، في خطاياه، كما يسأل نفسه: لماذا أنا؟ في الليل، يسمع أصوات المخيم من بعيد: ضحكات الأطفال، نباح الكلاب، رنين الأجراس على أعناق الماشية. كانت تلك الأصوات تذكّره بالحياة التي كانت له، والتي أصبحت كحلم.

مرت أسابيع، ثم أشهر. في أحد الأيام، وهو يفحص نفسه كما اعتاد، لاحظ أن اللون الأبيض قد تراجع قليلاً، وأصبح لون البقرة يميل إلى لون جلده القديم. قلب ذلك الاكتشاف قلبه رأساً على عقب. صبر سبعة أيام أخرى، ثم جرؤ على الاقتراب من حدود المخيم ونادى حارساً. "أريد الكاهن أليعازر"، قال بصوت أجشّ من عدم الاستعمال.

جاء أليعازر. خرج من المخيم بمفرده، ومشى إلى حيث يقف عَزْرَا. نظر إلى البقرة مرة أخرى. لمسها. تأمل. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لم يرها عَزْرَا منذ زمن طويل. "لقد شفيت. البقرة لم تنتشر، بل هي في انحسار. الجلد تحته سليم. هذا ليس نجاسة برص، بل التهاب جلدي قديم".

أمر أليعازر أن يغتسل عَزْرَا ويحلق كل شعره، ثم يعود بعد سبعة أيام. فعل عَزْرَا كل ذلك. في اليوم السابع، وقف مرة أخرى أمام الكاهن، نظيفاً، حليقاً، وقلبه يخفق كعصفور محبوس. فحصه أليعازر بدقة، في كل جسده، بحثاً عن أي علامة أخرى. لم يجد شيئاً. "أنت طاهر"، أعلن.

لكن الطهارة تحتاج إلى كفارة. أخذ أليعازر عصفورين، ووعاءً من الفخار، وماء جارياً، وعصيّ زوفا. ذبح أحد العصفورين فوق الماء الجاري في الوعاء، ثم أخذ العصفور الحي وعصي الزوفا وربطها معاً، وغمسها في دم العصفور المذبوح والماء. رشّ ذلك الدم والماء على عَزْرَا سبع مرات. ثم أطلق العصفور الحي ليطير في الحقل. كان الدم يُطهّر، والماء يُنظف، والعصفور الطليق يحمل بعيداً كل ذكرى النجاسة.

في النهاية، حلق عَزْرَا شعره مرة أخرى، واغتسل، وغسل ثيابه. عند المساء، دخل المخيم. كان دخوله صامتاً. لم تكن هناك احتفالات كبيرة. لكنه مرّ بجوار نار جماعية، ورأى الناس لا يبتعدون. رأى امرأته تبكي بصمت وتنظر إليه. رأى أولاده يقفون متحيرين، ثم يجرؤ أحدهم على الاقتراب. وضع عَزْرَا يده على رأس الصبي، وشعر بدفء الحياة تعود إليه.

في تلك الليلة، وهو مستلقٍ في خيمته، يستنشق رائحة الطهي المعتادة، ويسمع أنفاس أسرته النائمة، فهم معنى الطهارة حقاً. لم تكن مجرد غياب مرض. كانت عودة إلى الجماعة، إلى الحياة، إلى نعمة الوجود بين الآخرين. كانت قصته مكتوبة في الشريعة، لكنها نُقشت الآن بحبر من لحم ودم وألم وفرح، في قلب رجل عرف العزلة، ثم عرف، وبصعوبة بالغة، طريق العودة.

التعليقات

التعليقات 0

اقرأ النقاش وأضف صوتك.

للأعضاء فقط

سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش

نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.