كان الجو ثقيلاً داخل خيمة الاجتماع، كأن الهواء نفسه حبس أنفاسه خوفاً. وقف هارون، الكاهن المسن، في الموضع المقدس، تشعثت لحيته البيضاء قليلاً، وعيناه اللتان شهدتا عجائب وعقوبات، تنظران إلى الأرض المغطاة بسجاجيد من جلد ماشية. كانت رائحة البخور ما تزال عالقة، تختلط برائحة الخوف. فحادثة قورح وداثان وأبيرام كانت حديث المخيم، وصداها يرن في أذنيه كجرس إنذار. شعور بالمسؤولية الهائلة، كجبل، أرهف كاهليه.
وفي ذلك اليوم، تكلم الرب مع هارون، كلاماً واضحاً مباشراً، ليس عبر موسى هذه المرة. كان الصوت يهز الأعماق: "أنت وبنوك وبيت أبيك معكم تتحملون ذنب المقادس، وأنت وبنوك معكم تتحملون ذهن كهنوتكم." كلمات ثقيلة كالرصاص. فهم هارون معناها العميق: إن خطأ واحداً من الكهنة، أو من اللاويين الذين سيُجعلون تحت يده، سيكون عبئاً عليه أيضاً. المسؤولية مشتركة، والقداسة شرط لا مساومة عليه.
ثم أُمر بأن يجلب معه بنيه، ناداب وأبيهو والعازار وإيثامار. وقفوا بجانبه، شباباً وناضجين، في ثياب الكهنوت البسيطة. كان عليهم أن يخدموا خدمة الخيمة، ولكن بعيداً عن قدس الأقداس والمذبح، لئلا يموتوا هم والغرباء. كانت الحدود واضحة، مرسومة بدم الذبائح وبالنار التي التهمت البعض. الرب أعطاهم حفظاً: "ها قد أعطيتكم حفظ تقدماتي، من جميع قداسات بني إسرائيل لكم أعطيتها لمسحة ولبنيك فريضة دهرية."
شرح الرب التفاصيل بتأنٍ، وكأنه يبني سوراً حول القدس لحمياتهم. كل ما يقدمه بنو إسرائيل من تقدمة، أو ذبيحة إثم، أو ذبيحة خطية، كل تلك الأشياء قدس أقداس تكون لك ولبنيك. في مكان طاهر تؤكل. كل رفعية من الزيت والخمر والحنطة، الباكورات التي يرفعونها للرب، لك أعطيتها. كل مفروز في إسرائيل يكون لك. كل بكر من كل جسد، مما يقدمون للرب، من الناس والبهائم، يكون لك. ولكن لا بد أن تفدي بكر الإنسان وبكر البهيمة النجسة. وافتداؤهم يكون من ابن شهر، بتقديرك، بخمسة شواقل فضة.
"أما بنو لاوي، فها أنا قد أعطيتهم كل عشور في إسرائيل ميراثاً، عوض خدمتهم التي يخدمونها، خدمة خيمة الاجتماع." وهنا جاء التحذير الحاسم، الذي فهم منه هارون أن الخدمة ليست امتيازاً بل حمل: "ولا يقترب بنو إسرائيل أيضاً إلى خيمة الاجتماع، لئلا يحملوا خطية ويموتوا." اللاويون هم حاجز بين الشعب والقدس. وهم بدورهم، اللاويون، عليهم أن يعطوا عشوراً من العشور التي يأخذونها، عشوراً ممتازة، مقدسة للرب، تُعطى للكاهن هارون. "وكذلك تعطون رفيعتها كحنطة من البيدر، وكملا من المعصرة."
استمع هارون بكل جوارحه. كانت هذه ليست إرشادات طقسية جافة، بل كانت خريطة بقاء، ونظام رحمة. الله، في قداسته المطلقة التي لا تحتمل الدنس، كان يضع إجراءات صارمة لحماية شعبه من الموت الفوري في محضره. وفي الوقت نفسه، كان يضمن عيش الذين خصصهم للخدمة. لا ميراث من أرض لهرون ولا لبني لاوي. الرب نفسه هو ميراثهم، وتقدمات شعبه هي قوتهم. مسؤولية مقدسة، ورزق مشروط بالولاء.
بعد أن انتهى الصوت، بقي هارون لحظات صامتاً. نظر إلى أبنائه، رأى في عيونهم الخوف والرهبة، وربما شيئاً من الفخر. همس في نفسه: "الخدمة ثقيلة، والثمن غالٍ. ليس مجداً فارغاً، بل حمل أثقل من الجبال." ثم خرج من الخيمة إلى ساحة المخيم، حيث كانت الشمس تنزل نحو الغرب، تلقي بظلال طويلة على بيوت الشعر الممتدة. شعر بثقل الفريضة الدهرية على كتفيه، ولكن شعر أيضاً بلمسة رحمة في تلك الدقة العجيبة. الله لم يتركهم يتخبطون. رسم الطريق، وحدد الحدود، وجعل لكل شيء ثمنه ووضعه.
ومن ذلك اليوم، أخذ هارون يعلم بنيه واللاويين باجتهاد، مذكراً إياهم دوماً: "احذروا حدود القدس. فإن خدمتنا ليست من أجل كرامة، بل من أجل حفظ الحياة. الرب هو ميراثنا، وهو يكفينا." وعاشوا هم وبنوهم على هذا المنوال، يتقبلون ما أعطاه الشعب بخشوع، ويقدمون الجزء المقدس للرب، في دائرة من العطاء المقدس، تربط السماء بالأرض، بشروط إلهية واضحة، صارمة كالنار، ورحيمة كالمن في القفر.
التعليقات
التعليقات 0
اقرأ النقاش وأضف صوتك.
للأعضاء فقط
سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش
نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.