خيمة العدل في سيناء

كان النهار يميل نحو الغروب، والحرّ الذي يشوي الصخور في بريّة سيناء بدأ يهبّ عليه نسمات أقلّ لذعاً. جلست تحت خيمة مدبّبة كبيرة،...

خيمة العدل في سيناء

كان النهار يميل نحو الغروب، والحرّ الذي يشوي الصخور في بريّة سيناء بدأ يهبّ عليه نسمات أقلّ لذعاً. جلست تحت خيمة مدبّبة كبيرة، جلدها المقّوى يحمل رائحة الدخان والتراب. حولي، رجال من شيوخ القبائل، وجوههم محفورة بتجاعيد عميقة كأودية هذه الأرض القاسية، وعيونهم تراقب بكثب. كانوا جاؤوا يطلبون الفصل في أمور شائكة، أمور تمسّ الدماء والأموال والكرامة.

كان اسمي أليشاف، وكلفني موسى، ذلك الرجل الذي يكلمه الإله، بمساعدته في سماع القضايا اليومية بين الناس. كانت الشرائع الجديدة التي نزلت من على الجبل لا تزال تتردد في آذاننا كدويّ الرعد، لكن تطبيقها على أرض الواقع كان يحتاج إلى حكمة.

أول من تقدم كان رجلان يجرّان بينهما غلاماً هزيلاً، لا تتجاوز سنه الثانية عشرة. عيناه واسعتان مليئتان بالرعب. قال الأول، وهو رجل من سبط يهوذا، بصوت أجش: "لقد اشتريته من سوق العبيد في صفط، دفعتُ ثمنه فضة كاملة. لكنه هرب بعد أشهر قليلة، ووجده هذا الرجل من قرية مجاورة وأمسكه."

نظرت إلى الغلام، ثم إلى الرجل الآخر، الذي بدا عليه الفقر بملابسه المرقعة. سألته: "ماذا تقول؟" أجاب بنبرة دفاعية: "وجدته يتجوّل في البرية، شبه هالك من الجوع والعطش. أعطيته خبزاً وماءً. كنت أعرف أنه عبد هارب، لكني آويته."

تذكرت كلمات الشريعة: "إِذَا اشْتَرَى عَبْداً عِبْرَانِيّاً، فَسِتَّ سِنِينَ يَخْدُمُ، وَفِي السَّابِعَةِ يَخْرُجُ حُرّاً مَجَّاناً." ولكن هذا الغلم كان عبرانياً أيضاً. ثم تذكرت ما بعدها: "وَإِنْ قَالَ العَبْدُ: أُحِبُّ سَيِّدِي... لاَ أَخْرُجُ حُرّاً، فَثَقُبَ أُذُنَهُ بِالمِثْقَبِ." لكن هذا لم يحدث. الهرب كان جريمة كبرى.

رفعت نظري عنهم، وتأملت للحظة في أفق الجبال الأرجواني. ثم قلت لمالك العبد: "لقد هرب من تحت يدك. هل كانت يدك قاسية عليه؟ هل حرمته من قوته أو كسوته؟"

ارتبك الرجل قليلاً، ثم هزّ رأسه: "لا، لكنه كان كسولاً."

التفت إلى الغلام، وناديته باسمه الذي أخبرني به: "دان". سألته برفق: "لماذا هربت؟"

ارتجفت شفتاه، ثم همس بصوت بالكاد يسمع: "كان يضربني كل يوم، ولو على خطأ صغير. ويطعمني فضلات الطعام التي تتركها الكلاب."

صرخ الرجل: "هذا كذب! إنه عبد مارق!"

هنا، تدخل شيخ من الحضور، من سبط لاوي، وقال: "القانون واضح. العبد الهارب يجب أن يعاد إلى سيده."

لكنني شعرت بثقل في قلبي. تلك الشريعة كانت لتنظيم أمر العبودية، لكنها أيضاً تحمل في طياتها روح العدل، روح ذلك الإله الذي حررنا من بيت العبودية في مصر. تذكرت كيف نزلت الوصايا: "لا تقتل... لا تسرق..." وكانت كلها تحمي كرامة الإنسان، حتى ولو كان في أسوأ أحواله.

نظرت إلى الرجل الفقير الذي آوى الغلام. سألته: "ماذا تريد أنت؟"

قال: "لقد عمل عندي لثلاثة أشهر، وهو ابن صالح ومجتهد. أريد أن أشتريه، لكني لا أملك الثمن."

فجأة، خطرت لي فكرة. قلت لمالك العبد الأصلي: "الشريعة تقول إن العبد الهارب يعاد لسيده. لكن الشريئة لا تذكر العقاب. أنت خسرت خدمته، وهو خسر الأمان. أرى حلاً. دع هذا الرجل يشتريه منك، ليس بثمن العبد الجديد، بل بثمن مخفّض، ثمن عبد قضى جزءاً من خدمته. وليعطِكَ قيمة مقبولة. أما أنت، يا دان، فستخدم هذا الرجل الجديد إلى نهاية السنين الست، ثم تخرج حراً. وهذا الرجل، سيعاملك كابن له، لا كعبد هارب."

كانت حلاً وسطاً، لا ينص عليه القانون حرفياً، لكنه يحقق روحه: العدل والرحمة. بعد نقاش طويل، قبل الرجلان. وخرج الغلام، وعيناه تلمعان بدموع الصدق والامتنان.

لم يكن ذلك اليوم هو الوحيد. جاءت امرأة باكية، زوجها ضربها بعنف في مشاجرة، فأسقط جنينها. كانت القضية شائكة: "إِذَا تَخَاصَمَ رَجُلانِ وَصَدَمَا امْرَأَةً حُبْلَى، فَخَرَجَ وَلَدُهَا... يُعْطَى نَفْساً بِنَفْسٍ." لكن التفاصيل كانت مختلفة. لم يكن هناك رجلان يتخاصمان، بل زوج غاضب. وكان الضرب متعمداً.

استمعت إلى المرأة، ثم أحضرت الزوج. نظرت في عينيه، ورأيت الندم يخالط الغضب. سألته: "لماذا فعلت هذا؟"

قال: "كانت ثرثارة، أحرجتني أمام الضيوف."

صمتّ طويلاً. الحكم كان خطيراً. ثم قلت: "أنت أخذت حياة لم تولد بعد. هذا عمل شنيع أمام الله الذي يخلق الأرواح في الأرحام. الشريئة تقول 'نفساً بنفس'، ولكنها تذكر أيضاً الفدية. لن أحكم عليك بالموت، لأن القتْل لم يكن قصدك الأول. لكنك ستدفع دية ثقيلة لعائلة زوجتك، وستعمل في خدمة أهلها لسنوات، كي تتعلم أن الحياة هبة، والغضب نار تأكل صاحبها."

غادر الرجل منكّس الرأس، والحزن الثقيل يكبّله. كانت القوانين الجديدة مثل سكين حاد، تفصل بين الحق والباطل، لكن تطبيقها يحتاج إلى قلب يميز بين الخيط الأبيض والخيط الأسود في ظلمة الخطيئة.

ومرت الأيام، وأنا تحت الخيمة، أسمع قضايا عن ثور نطاح يقتل إنساناً، عن حفر مفتوحة تؤدي إلى هلاك بهيمة، عن سارق يمسك في الليل فيُقتل، وعن آخر يسرق في النهار فيدفع تعويضاً مضاعفاً. كل حالة كانت عالماً قائماً بذاته، تحمل تفاصيلها، وناسها، وظروفها. وكان عليّ أن أبحث في روح الشريعة، لا في حرفها فقط. كنت أشعر أحياناً كأنني أمشي على حبل مشدود فوق هوّة، فمن جهة هناك عدل صارم لا يلين، ومن جهة أخرى هناك رحمة تعرف أن البشر خطاؤون.

وفي الليالي، كنت أخرج من الخيمة، وأنظر إلى نجوم البرية الزاخرة، والتي لا تُحصى، وأتذكر كلمات موسى: "هذه هي الشرائع التي تضعها أمامهم." كنت أفهم أن هذه القوانين لم تكن مجرد عقوبات، بل كانت درساً عميقاً في بناء مجتمع يعرف قيمة الإنسان، حتى الأقل شأناً. كانت تعلّمنا أن حتى العبد له حقوق، وأن المرأة ليست متاعاً، وأن الحياة، كل الحياة، مقدسة.

وكان الدرس الأكبر، هو أن العدل الحقيقي لا يكتفي بإصدار الحكم، بل يسعى للإصلاح. أن يردّ الحقوق، أن يعوّض الخسائر، أن يعلّم الجاهل، وأن يردع الظالم. كانت هذه الشرائع، في عمقها، بذوراً لملكوت يُبنى على الأرض، ملكوت يقوم على مخافة الله، لا على خوف البشر من بعضهم.

وهكذا، تحت خيمة الاجتماع، بين رمال سيناء الذهبية تحت شمس حارقة أو تحت سماء مرصعة بالنجوم، كانت تتشكل، حكماً بعد حكم، قضية بعد قضية، ليس فقط أمة خارجة من العبودية، بل ضمير إنساني جديد، يبدأ بوعي بسيط: أن لكل فعل ثمن، ولكل نفس قيمتها، وأن القانون، حين يكون عادلاً، هو ظلّ لرحمة الخالق الذي يريد لشعبه أن يعيش بسلام.

التعليقات

التعليقات 0

اقرأ النقاش وأضف صوتك.

للأعضاء فقط

سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش

نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.