حارس البيت وسهام البركة

كان الليل بارداً على أرض المرتفعات حول أورشليم، وريح خفيفة تحمل رائحة التراب الجاف وأغصان الزيتون. لم يكن إلياس نائماً، بل جالساً...

حارس البيت وسهام البركة

كان الليل بارداً على أرض المرتفعات حول أورشليم، وريح خفيفة تحمل رائحة التراب الجاف وأغصان الزيتون. لم يكن إلياس نائماً، بل جالساً على سطح بيته الحجري، تحدق عيناه في الظلام الذي يلفّ سور المدينة. كانت يداه متشابكتين بقوة، وكأنهما تحاولان حبس القلق الذي يتسرب من قلبه إلى جنبات البيت. لقد بنى هذا البيت بيديه، حجراً فوق حجر، وسقفه بخشب الأرز الثمين الذي جلبه من فينيقيا بمال كثير. وكان يسهر الليالي الطوال يحرسه، خائفاً من لصوص، خائفاً من عواصف، خائفاً من كل ما يمكن أن يهدد هذا الكيان الحجري الذي أصبح امتداداً لذاته.

في تلك الليلة، بينما كان القمر الهلال يتنكر خلف سحابة خفيفة، تذكر كلمات جده العجوز، وهو يرددها دائماً بصوته المتهدج: "إذا لم يبنِ الرب البيت، فباطلاً يتعب البناؤون." كانت تبدو له في صغره كلمات غامضة، مثل أحاجي الكهنة. لكنها الآن، في عمق الليل، بدأت تثقب صخرة قلبه المتعب. نظر إلى يديه المتصلبتين من العمل، إلى الأصابع التي تحمل ندوب الطين والحجارة. كم سهر؟ كم قلق؟ كم خطط وعدل ورمم؟ ومع ذلك، ما زال الخوف رفيقه الدائم. كأن البيت، رغم متانته، ما زال كخيمة في برية موحشة.

أطرق إلياس برأسه، وهمهم بصوت خافت: "وإذا لم يحفظ الرب المدينة، فباطلاً يسهر الحارس." نعم، هو الحارس. حارس لبيته، حارس لعائلته الصغيرة. كم مرة طاف حول البيت في الظلام، يحمل عصاً غليظة، وأذناه تلتقطان أي حفيف؟ لكن المدينة كلها كانت هادئة. لم تكن هناك غزوات أو قلاقل تلك الأيام. فلماذا هذا السهر القلق؟ لماذا هذا التعب الذي لا يطاق، الذي لا يذهب بنوم، ولا يزول براحة؟

نزل من السطح ببطء، درجات الحجر باردة تحت قدميه العاريتين. دخل إلى الغرفة الرئيسية، حيث كانت نعمة زوجته نائمة، محتضنة صغيرتهما راحيل. وقف ينظر إليهما لحظة. ضوء مصباح زيتي خافت يلعق وجنة الصبية الناعمة، وشعر نعمة الأسود المنتشر على الوسادة. هنا، في هذه الزاوية الدافئة، بدا وكأن الزمن يتوقف. هنا فقط ينسى تعبه.

في الصباح، مع أول خيوط الشمس التي اخترقت شباك الغرفة، استيقظ إلياس بقلب مختلف. لم يعد ذلك الثقل موجوداً. خرج إلى الحقل الصغير الملاصق للبيت، حيث أشجار التين والرمان تمد أغصانها تحت سماء زرقاء صافية. كان يعمل في الأرض، ولكن اليوم، كان هناك شيء جديد. لم يكن العمل مجرد واجب شاق، بل أصبح كالصلاة. كل ضربة معول في التراب، كل غرسة شتلة، كانت كلمة حمد. لقد أدرك فجأة، كما تدرك النسمة رائحة المطر قبل أن يهطل، أن يده ليست وحدها التي تبني. هناك يد أخرى، خفية، صامتة، تضع الحجر الأساس، وتصلح ما ينكسر، وتحمي ما يبنى.

مرت الأيام وأتى الخريف، ومعه جاءت بركة أخرى لم يكن إلياس قد حسب لها حساباً. حملت نعمة طفلاً جديداً، ثم طفلاً آخر بعد بضع سنين. امتلأ البيت، الذي كان يبدو أحياناً فسيحاً ومهيباً، بضجيج الحياة. خطوات صغيرة تركض في الأروقة، ضحكات عالية تعلو فوق همس الريح في السطح، وبكاء في الليل يوقظه ليسهر، ولكن هذه المرة ليس سهر القلق، بل سهر المحبة. كان يحمل ابنه شاول على كتفيه، ويصعد به إلى السطح، ويشير إلى المدينة المقدسة في الأفق. "انظر يا بني، هناك هيكل الرب. وهو الذي يحفظنا، نحن وبيتنا الصغير هذا."

ذات مساء، جلس إلياس مع كبار العائلة حول مائدة من خشب الزيتون. أولاده الأربعة حوله، كأغصان زيتون مغروسة حول مائدته. كان شاول، الأكبر، يساعد أمه في تقدير الجبن والعسل. وكانت راحيل، البنت الوحيدة، تروي لأخيها الصغير قصة من نسج خيالها. نظر إلياس إليهم، وفي عينيه بريق لم يكن يعرفه من قبل. تذكرت نعمة تلك الليلة البعيدة على السطح، عندما رأت القلق العميق في محياه. والآن، ذلك القلق تحول إلى سلام، كالنهر الهادئ الذي يروي الأرض العطشى.

في قلبه، كانت كلمات المزمور تدور كدائرة نور: "هوذا البنون ميراث من عند الرب... كسهم بيد جبار هكذا أبناء الشباب. طوبى للذي ملأ جعبته منهم." فهمها الآن. لم تكن مجرد كلمات عن البركة والعدد. كانت عن المعنى، عن الغاية. سهاره القديم كان باطلاً، لأن الحماية كانت من عند آخر. وتعبه في البناء كان باطلاً، لأن المؤسس الحقيقي لم يكن يراه. أما الآن، فبنوه ليسوا مجرد أيدي تعينه في الشيخوخة، بل هم سهام، كل سهم له وجهه واسمه ومساره. مهمته هي أن يعدهم، أن يشذبهم، أن يوجههم بحكمة، ثم يطلقهم إلى العالم كرسل لهذا السلام الذي عرفه.

وفي الليالي التي تلت، كان ينام نوماً عميقاً. وأحياناً، إذا استيقظ في الظلام، يستمع فقط لأنفاس أولاده المنتظمة من الغرف المجاورة، ويسمع عبر النافذة صوت حارس المدينة يتجول في الدروب. فيبتسم، ويعود إلى النوم. لأنه يعلم أن الحارس الحقيقي لا ينام ولا ينعس. وأن البيت، في النهاية، ليس حجارةً وأخشاباً، بل هو هذا السلام الذي أسسه الرب، وهذه النفوس التي وهبها إياه، وهي تتنفس تحت سقفه، آمنة، في ظل القدير.

التعليقات

التعليقات 0

اقرأ النقاش وأضف صوتك.

للأعضاء فقط

سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش

نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.