المزامير 63 العهد القديم

عطش الروح في صحراء يهوذا

هكذا أجدني مرة أخرى في صحراء يهوذا، تحت سماء كالنحاس المحمّى. لا ظلّ إلا ظلّ هذه الصخرة المتشققة، ولا صوت إلا حفيف الريح الحارّة...

المزامير 63 - عطش الروح في صحراء يهوذا

هكذا أجدني مرة أخرى في صحراء يهوذا، تحت سماء كالنحاس المحمّى. لا ظلّ إلا ظلّ هذه الصخرة المتشققة، ولا صوت إلا حفيف الريح الحارّة تحمل عبير الأرض العطشى. وهنا، في قفر المكان، يعود القلب إلى قفر آخر أعمق: قفر الروح التي تتوق.

لستُ أتذكّر متى غابت عن شفتي نعمة الماء البارد، لكنني أتذكّر جيداً ذاك العطش الأكبر. عطشٌ يشبه جرحاً نازفاً في الصدر، لا يُسدّ إلا بشيء لا تستطيع الآبار المالحة أن تمنحه. في ليالي هذه البرّية، حين ينسحب النهار منهزماً ويحلّ صمتٌ أزرق غامق، أرفع عينيّ. أبحث عن أكثر من النجوم.

إلهي، أنت إلهي. أبحث عنك في الفجر الباكر، حين يكون العالم كله نسيماً خفيفاً وصلاة صامتة. تشتاق إليك نفسي، بل تظمأ إليك كلّ كياني، كما تضطرب الأرض القاحلة للمطر. كم رأيت من عظمة في قدسك، من بهاء وجلال! لكنّ ذلك كان في الهيكل، بين الحجارة المنحوتة ورهبة الطقوس. أما هنا، حيث لا سقف إلا السماء، ألمس قوّتك ومجدك بشكلٍ آخر. هو مجدٌ لا يُرى بالعين، بل يُحسّ كحرارة في العظام، كيقينٍ في الأعماق.

لأنّ رحمتك أثمن في نظري من الحياة ذاتها. فشفتاي تسبحانك. أباركك ما حييت، وأرفع يديّ باسمك. عندئذٍ فقط، كأنّ عطشاً داخلياً يروى بنبع لا ينضب. وكأنّ نفسي الملتهبة تسبح في راحة عميقة، راحة الطفل على صدر أمه. لا شيء في هذا القفر يمنح ذلك، إلا ذِكرك.

حتى في سكون الليل، وأنام على فراش من الحصى، يبقى الفكر معك. أتأمّل في عونك الذي لم يغب، وظلّك الذي لم يرتفع. في الظلمة، تكون أنتَ النشيد الذي يتردّد في أعماقي. تلتصق نفسي بك، وتحملني يمينك التي لا ترتعش.

أما أولئك الذين يبحثون عن هلاك نفسي، فسيذهبون إلى أسافل الأرض. سيسلمون لقوة السيف، ويصبحون طعماً للثعالب. أما الملك، فسيبتهج بالله. وكل من يحلف باسمه سيمتلئ فخراً، أما أفواه الكاذبين فستُسَدّ إلى الأبد.

هكذا، في قلب الجفاف، يفيض النبع. وفي قلب العزلة، تُوجد الحضرة. ليس بحاجة إلى هيكل من حجر، ولا إلى مراسم من ذهب. يكفي تسبحة القلب في صمت البرّية، واندفاع الروح نحو سماء لا تحجبها سحابة. هنا، حيث يتبخّر كل ظلّ زائل، يبقى ظلّ جناحيك. وهذا يكفي. بل هو كلّ شيء.

التعليقات

التعليقات 0

اقرأ النقاش وأضف صوتك.

للأعضاء فقط

سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش

نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.