**قصة عبور نهر الأردن (يشوع 3)**
كان النهار قد أشرق بضيائه الذهبي على معسكر بني إسرائيل، الذين نصبوا خيامهم على ضفاف نهر الأردن، منتظرين بقلوب مليئة بالإيمان والإجلال أمر الرب الذي سيعلنه لهم عن طريق يشوع، القائد الذي اختاره الله بعد موسى. كان الجو مشحوناً بالترقب، فالمياه المتدفقة أمامهم كانت عريضة وعميقة، ولا يمكن لأحد أن يعبرها إلا بمعجزة إلهية.
وقف يشوع، رجل الإيمان القوي، أمام الشعب وصاح بصوت عالٍ: "استعدوا! لأن الرب سيعمل بينكم عظائم غداً. اسمعوا كلام الرب إلهكم!" وكانت عيناه تتقدان باليقين أن الله سيفعل كما وعد. ثم أمر الكهنة حاملي تابوت العهد أن يرفعوه ويتقدموا إلى حافة النهر. كان التابوت، المصنوع من خشب السنط والمغشى بالذهب، يمثل حضور الله القدوس بين شعبه. وعلى رأسه غطاء الكفارة الذهبي، حيث كان الرب يتكلم مع شعبه.
وبينما كان الكهنة يحملون التابوت بوقار وقدسية، تقدم الشعب وراءهم، لكنهم حافظوا على مسافة مقدسة، كما أوصاهم يشوع، لأنهم كانوا يعلمون أن قداسة الرب لا تُستهان بها. وعندما وصل حاملو التابوت إلى حافة المياه، كانت مياه الأردن تتدفق بغزارة، كالعادة في أيام الحصاد، فبدا العبور مستحيلاً في العقل البشري.
لكن في اللحظة التي غمس فيها الكهنة أقدامهم في الماء، حدثت المعجزة! توقف تدفق النهر من المنبع فجأة، وكأن يداً خفية أمسكت المياه، فانحسرت وتكدست بعيداً عند مدينة آدم القريبة. بينما جفت المياه في اتجاه البحر الميت، تاركة أرضاً صلبة وجافة. وهكذا وقف الكهنة حاملو التابوت في وسط النهر الجاف، بينما عبر كل الشعب إلى الضفة الأخرى، سالكين في الطريق الذي هيأه الرب لهم.
لم يكن هذا العبور مجرد معجزة طبيعية، بل كان علامة على أن الرب الإله القوي هو الذي يقود شعبه، كما قادهم عبر البحر الأحمر أيام موسى. أراد الله أن يعلم بني إسرائيل، والأجيال القادمة، أن يشوع كان قائده المختار، وأنه سينصرهم أمام كل أعدائهم كما فعل في هذا اليوم العظيم.
وبينما كان الشعب يعبرون، كان قلوبهم تفيض بالرهبة والفرح. نظر الصغار والكبار إلى تلك الأعجوبة، وأدركوا أن إله إسرائيل هو الإله الحي الذي لا يعجزه شيء. وعندما اكتمل العبور، صرخ يشوع بأمر من الرب للكهنة أن يصعدوا من وسط النهر. وما إن وضعوا أقدامهم على الضفة الأخرى، حتى عادت مياه الأردن إلى مجراها بغزارة كما كانت من قبل.
هكذا تمت مشيئة الرب، وانتقل بنو إسرائيل إلى أرض الموعد، ليس بقوتهم أو حكمتهم، بل بقدرة الله الذي يفي بوعوده. ووقف يشوع والشعب في الجلجال، شاكرين ومسبحين الرب على عجائبه، مستعدين لخوض المعارك القادمة، واثقين أن النصر هو من عند الرب.
وهكذا، كتب هذا اليوم في سفر التاريخ المقدس، كتذكارٍ دائمٍ على أن الله أمينٌ في وعوده، وقادرٌ أن يفتح الطريق حيث لا يوجد طريق.
التعليقات
التعليقات 0
اقرأ النقاش وأضف صوتك.
للأعضاء فقط
سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش
نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.