Bible Story
رؤيا ميخا والدينونة
فِي تِلكَ الأَيَّامِ، لَمْ تَكُنِ الرِّيحُ تَهُبُّ مِنْ عَلَى سَلاسِلِ الْجِبَالِ إِلَّا حَامِلَةً نَشِيجَ الْأَنْبِيَاءِ....
فِي تِلكَ الأَيَّامِ، لَمْ تَكُنِ الرِّيحُ تَهُبُّ مِنْ عَلَى سَلاسِلِ الْجِبَالِ إِلَّا حَامِلَةً نَشِيجَ الْأَنْبِيَاءِ. كَانَ مِيخَا الْفِلِسْطِينِيُّ، رَجُلُ مُورَشْتَ، يَقِفُ عَلَى كَلَأِ الْحَقْلِ وَقَدْ أَصْبَحَ صَوْتُ الْقَرْيَةِ خَلْفَهُ كَهَمْسِ بَعِيدٍ. الْهَوَاءُ كَانَ ثَقِيلاً، مُشْبَعاً بِرَائِحَةِ التُّرْبَةِ بَعْدَ مَطَرٍ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ. وَلَكِنَّهُ حَسَّ بِزَلْزَلَةٍ فِي أَعْمَاقِ الْأَرْضِ، لَيْسَ زَلْزَلَةَ الْأَحْجَارِ، بَلْ زَلْزَلَةَ الْكَلِمَةِ.
فَجَاءَتْهُ الرُّؤْيَا كَمَا يَأْتِي الْعَاصِفُ مِنْ مَخَارِقِ الْجِبَالِ: رَأَى الرَّبَّ وَهُوَ مُقْبِلٌ. لَمْ يَكُنْ مَنْظَراً لِلْعُيُونِ، بَلْ لِلْأَرْوَاحِ الْمُتَّقِدَةِ. كَانَتْ خَطَوَاتُهُ تَدُكُّ شَوَامِخَ الْجِبَالِ، تَذْوِي تَحْتَ قَدَمَيْهِ كَالشَّمْعِ عَلَى نَارٍ. سَاخَتْ قِمَمُ كَرْمَلَ وَمُورَيهَ فِي أَعْمَاقِ الْوَادِي، كَأَنَّهَا خَائِفَةٌ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي لَمْ يُرَ بَعْدُ.
وَفَتَحَ مِيخَا فَاهُ، وَلَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى مَا يَخْرُجُ: "اسْمَعُوا أَيُّهَا الشُّعُوبُ جَمِيعاً! أَصْغِي أَيَّتُهَا الأَرْضُ وَكُلُّ مَا فِيهَا! يَكُونُ السَّيِّدُ الرَّبُّ شَاهِداً عَلَيْكُمْ، الرَّبُّ مِنْ هَيْكَلِ قُدْسِهِ!"
ثُمَّ ارْتَفَعَتْ عَيْنَاهُ نَحْوَ الشَّمَالِ، نَحْوَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ الْمُتَوَّجَةِ عَلَى التَّلِّ: السَّامِرَةِ. رَأَى بَهِاءَهَا كُلَّهُ غَارِقاً فِي وَحْلِ الْخَطِيئَةِ. لَمْ يَكُنْ ذَنْبُهَا كَذَنْبِ غَيْرِهَا؛ كَانَتْ قَدْ جَعَلَتْ مِنَ الْعِصْيَانِ صَنْعَةً، وَمِنَ الْفُجُورِ فَنّاً. بَنَاؤُهَا مِنْ أَجْرَاسِ الْفِضَّةِ الْمَسْرُوقَةِ، وَزِينَتُهَا مِنْ ثِيَابِ الْمَسَاكِينِ. فَتَحَوَّلَ جَمَالُهَا فِي عَيْنَيْهِ إِلَى قُرْحَةٍ نَتَحَةٍ، تَنْزُّ قَيْحاً عَلَى جَبِينِ إِسْرَائِيلَ.
وَهَبَطَ صَوْتُ الرَّبِّ كَنَارِ تَأْكُلُ وَلاَ تَقُولُ: "فَأَجْعَلُ السَّامِرَةَ كُوماً فِي الْحَقْلِ، كَمَزَارِعِ كُرُومٍ. وَأُهْدِي حِجَارَتَهَا إِلَى الْوَادِي، وَأَكْشِفُ أَسَاسَاتِهَا."
وَبَعْدَ الْكَلِمَةِ، جَاءَ الْفِعْلُ. رَأَى مِيخَا، فِي غَيَابِ الْأَبْصَارِ، جُنُودَ أَشُّورَ كَجَرَادٍ لَا يُحْصَى، وَهُمْ يَصْعَدُونَ إِلَى التَّلِّ. سَمِعَ صَرِيرَ الْمَنَاجِلِ عَلَى الْحَجَرِ، وَالْهَدْمَ الْبَطِيءَ، وَالْعَجَاجَ الَّذِي يَعْلُو. وَسَقَطَتْ تِمْثَالَاتُ الْبَعْلِ وَالأَشِيرَةِ، تَتَحَطَّمُ عَلَى نَفْسِ الْأَرْضِ الَّتِي سَجَدَ لَهَا أَهْلُهَا. حُفَرَتْ خَنَادِقُ حَوْلَ أَسْوَارِهَا، فَشُرِّبَتْ حِجَارَتُهَا حَتَّى التُّخَمِ. لَمْ يَبْقَ إِلَّا رُكَامٌ، مَكَانٌ لِتَرْعَى فِيهِ غَنَمُ الْبَادِيَةِ، وَيَغْرِسُ الْفَلَّاحُ فِيهِ بَعْضَ الْيَقْطِينِ.
وَهَاهُوَ الْحُزْنُ يَنْقَلِبُ فِي صَدْرِ النَّبِيِّ نَحْوَ جَنُوبٍ. نَحْوَ أُورُشَلِيمَ، مَدِينَةِ الْهَيْكَلِ، قَلْبِ يَهُوذَا. لَمْ تَكُنْ بَعِيدَةً عَنْ سَقِيطَةِ السَّامِرَةِ. بَلْ إِنَّ دَنَسَهَا لَيَسْرِي كَالْعَفَنِ فِي ثَوْبٍ رَطْبٍ. كَيْفَ لِلْمَدِينَةِ الَّتِي فِيهَا اسْمُ الرَّبِّ أَنْ تَسْكُنَهَا أَرْوَاحُ الْعَطَارِيتَ وَالْمَوْلَكَ؟ كَيْفَ لِهَيْكَلِهِ أَنْ يَرْفَعَ بَخُوراً مَخْلُوطاً بِدَمِ الظُّلْمِ؟
فَخَرَّ مِيخَا عَلَى وَجْهِهِ، وَمَسَحَ تُرَابَ الطَّرِيقِ عَلَى لِحْيَتِهِ. بَكَى بِصَوْتٍ خَرِيطٍ، لَيْسَ بُكَاءَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، بَلْ بُكَاءَ أُمَّةٍ تَنْزَفُ: "لِأَنَّ جُرْحَهَا عُضَالٌ، إِنَّهُ بَلَغَ إِلَى يَهُوذَا. بَلَغَ إِلَى بَابِ شَعْبِي، إِلَى أُورُشَلِيمَ!"
وَعَلَى مِقْدَارِ الْخَطِيئَةِ، كَانَ الْحِسَابُ. سَمِعَ اسْمَاءَ الْقُرَى حَوْلَ أُورُشَلِيمَ، فَتَحَوَّلَتْ فِي فَمِهِ إِلَى نُوَاحٍ: فَتَحَ مَرْجَ الْبَقَرِ (جَتْ) عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَأَقَامَتْ لَخِيشُ سِتارَةَ الْكَذِبِ لِأَجْلِ الْخَلاصِ الَّذِي لَا يَأْتِي. رَأَى أَهْلَ مَارِثَةَ يَفِرُّونَ بِلاَ كَرَامَةٍ، وَسَاكِنِيَ عَخْزِيبَ يَنْتَظِرُونَ عَطِيَّةً لَنْ تَصِلَ أَبَداً.
"اِجْعَلِي عَلَيْكِ حَلْقاً أَيَّتُهَا بِنْتَ صِهْيَوْنَ!" نَادَى وَصَوْتُهُ يَشْقُ الْهَوَاءَ الثَّقِيلَ. "قَدْ عَبَرَ عَنْكِ الْعِقَابُ. لَمْ يَعُدْ يَقِفُ عَلَى الْعُبُورِ، بَلْ نَزَلَ إِلَى أُورُشَلِيمَ نَفْسِهَا."
وَتَسَاقَطَتْ دُمُوعُهُ عَلَى تُرَابٍ جَافٍّ، فَصَارَتْ كَالْأَثَرِ الْبَاهِتِ فِي أَرْضٍ لَا تَنْزِلُ عَلَيْهَا السَّمَاءُ. عَرَفَ أَنَّ الرِّسَالَةَ ثَقِيلَةٌ، وَأَنَّ حَمْلَهَا أَشَدُّ مِنْ حَمْلِ صُخُورِ الْجِبَالِ. لَكِنَّ الْكَلِمَةَ كَانَتْ قَدِ انْطَلَقَتْ، كَسَهْمٍ مِنْ وَتَرٍ مَشْدُودٍ، لَا تَرْجِعُ إِلَى الْكَامِنِ حَتَّى تَفْنَى فِي صَدْرِ الْغَايَةِ. وَالْغَايَةُ كَانَتْ دَمَاراً، لِكَيْ يَبْقَى رَجَاءٌ. نَقْضاً، لِكَيْ يُبْنَى بِنَاءٌ حَقِيقِيٌّ. صَرْخَةً فِي الْيَوْمِ، لِكَيْ يَأْتِي سُكُوتٌ أَبَدِيٌّ.
وَمَضَى ابْنُ مُورَشْتَ فِي طَرِيقِهِ، وَحِيداً، حَامِلاً فِي جَوْفِهِ عَاصِفَةَ الْحَقِّ. وَالرِّيحُ، الَّتِي لَا تَزَالُ تَهُبُّ مِنْ عَلَى الْجِبَالِ، حَمَلَتْ بَعْضَ نَشِيجِهِ، وَرَاحَتْ تَنْشُرُهُ عَلَى الْمَدَائِنِ الْخَاطِئَةِ، كَنَذِيرٍ أَوْ كَرَحْمَةٍ أَخِيرَةٍ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ النَّارُ.