**قصة الملك يوشيا وإصلاحاته في سفر الملوك الثاني 22**
في الأيام التي سبقت سقوط مملكة يهوذا، حينما كانت الخطيئة قد انتشرت في الأرض كالنار في الهشيم، وكان الشعب قد نسوا عهد الرب واتجهوا إلى عبادة الأصنام، قام ملكٌ شابٌ اسمه **يوشيا** ليقود الأمة إلى التوبة والإصلاح. كان يوشيا ابن ثماني سنين حين مَلَكَ على أورشليم، وفي السنة الثامنة عشرة من حكمه، حين بلغ رجولته، بدأ يبحث عن وجه الرب بإخلاص.
وفي أحد الأيام، بينما كان الملك يوشيا جالسًا في قصره، تفكَّر في حالة الهيكل المقدس، بيت الرب، الذي كان قد أهمله أسلافه من الملوك. فدعا **شافانَ الكاتب**، رجلاً أمينًا من حاشيته، وأمره قائلاً:
**"اذهب إلى حلقيا الكاهن العظيم، وقل له ليُحصِ الفضة التي جُمِعَتْ من الشعب وأُدخِلَتْ إلى خزائن الهيكل. ثم لِيُسَلِّمْها للعمال الذين يُشْرِفون على إصلاح بيت الرب، ليدفعوا أجرة النجارين والبنائين، وليشتروا الأخشاب والحجارة المقطوعة لإصلاح ما تَهَدَّمَ من البيت."**
فذهب شافان إلى حلقيا الكاهن، الذي قام بدوره بجمع الفضة وسلمها للعمال المختصين. وبينما كان العمال يعملون بإخلاص في ترميم الهيكل، حدث أمرٌ عجيب! إذ وجد **حلقيا الكاهن** سفرًا قديمًا مُهمَلًا في زوايا الهيكل، ففتحه وبدأ يقرأ، فإذا هو **سفر الشريعة**، التوراة التي كتبها موسى بأمر الرب!
ارتعد حلقيا من الفرح والخوف معًا، فأسرع إلى شافان الكاتب وقال له: **"لقد وجدتُ سفر الشريعة في بيت الرب!"** ثم قرأ شافان بعضًا من كلماته. وما إن سمعها حتى هرع إلى الملك يوشيا وأخبره بما حدث. فلما سمع الملك الكلمات المكتوبة في السفر، **مزَّق ثيابه** حزنًا وخشوعًا، لأنّه أدرك أن الشعب قد حاد كثيرًا عن وصايا الرب، وأن الغضب الإلهي سيحل عليهم بسبب عصيانهم.
فأمر الملك يوشيا حلقيا الكاهن وشافان وعددًا من رجاله الأمناء قائلاً: **"اذهبوا واسألوا الرب عن هذه الكلمات من أجلي ومن أجل الشعب، لأن غضب الرب عظيم قد اشتعل علينا لأن آباءنا لم يسمعوا لكلام هذا السفر، ولم يعملوا بكل ما هو مكتوب علينا."**
فذهبوا إلى **خلدة النبية**، امرأة تقية تسكن في أورشليم، وكانت معروفة بحكمتها واتصالها بالرب. فسألوها نيابة عن الملك. فأجابتهم خلدة بكلام الرب:
**"هكذا يقول الرب إله إسرائيل: قلوا للرجل الذي أرسلكم إليَّ: إنني سأجلب الشر على هذا المكان وعلى سكانه، حسب كل الكلمات المكتوبة في السفر الذي قرأه ملك يهوذا. لأنهم تركوني وأوقدوا لآلهة أخرى، فاشتعل غضبي على هذا المكان ولن ينطفئ."**
لكنها أضافت برحمة: **"أما الملك يوشيا، فلأن قلبه رقَّ وتواضع أمام الرب، ولأنه مزَّق ثيابه وبكى أمامي، فإنني أستجيب له. لن يرى عيناك الشر الذي سأجلبه على هذا المكان، بل سأجمعك إلى قبور آبائك بسلام."**
فلما سمع الملك يوشيا هذا الكلام، جمع كل شيوخ يهوذا وأورشليم، وصعد إلى الهيكل، وقرأ عليهم كل كلمات سفر العهد. ثم وقف أمام الرب وقطع عهدًا جديدًا، بأن يسير وراء الرب ويحفظ وصاياه بكل قلبه وكل نفسه، ليعمل بكلام هذا السفر. فأمر بتطهير الأرض من كل الأصنام والتماثيل البغيضة، وهدم المذابح الوثنية، وقطع السحرة والعرافين، وأعاد عبادة الرب وحده.
وهكذا، أزال يوشيا كل رجس من الأرض، وأعاد الفصح العظيم كما لم يُفعَل منذ أيام القضاة. فكان ملكًا عظيمًا في عيني الرب، لم يَظهَر مثله من قبله ولا من بعده.
لكن رغم كل إصلاحاته، كانت خطايا الأجيال السابقة قد بلغت مبلغها، فبعد موت يوشيا، حلَّ الغضب الإلهي على يهوذا، وسقطت أورشليم في يد الأعداء. لكن ذكرى يوشيا بقيت كشعلة نور في ظلام التاريخ، تذكيرًا بأن التوبة والإخلاص للرب هما الطريق إلى رحمته.
التعليقات
التعليقات 0
اقرأ النقاش وأضف صوتك.
للأعضاء فقط
سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش
نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.