في الأيام التي سبقت سقوط أورشليم، كان النبي إرميا يعيش في زمن مليء بالاضطرابات والظلم. كان الشعب قد ابتعد عن الله، وعبد الأصنام، ورفض سماع كلمة الرب. ومع ذلك، اختار الله إرميا ليكون نبيًا له، يحمل رسالة التوبة والدينونة إلى شعبه. لكن هذه الرسالة لم تكن سهلة، بل كانت ثقيلة على قلب إرميا وعلى الشعب الذي رفض أن يسمع.
في الأصحاح العشرين من سفر إرميا، نجد النبي في صراع عميق مع رسالته ومع شعبه. كان إرميا قد تنبأ بدمار أورشليم بسبب خطايا الشعب، وكان كهنوت الهيكل، بقيادة فشحور بن أمير الكاهن، قد سمعوا كلمات إرميا فغضبوا عليه. فشحور، الذي كان مسؤولًا عن حراسة الهيكل، لم يتحمل سماع كلمات الدينونة، فأمر بضرب إرميا ووضعه في المُقطرة، وهي سجن مؤقت في باب بنيامين، أحد أبواب الهيكل.
وفي تلك الليلة المظلمة، بينما كان إرميا مقيدًا في المُقطرة، شعر بثقل الرسالة التي حملها. كان يعلم أن كلمة الله كانت مثل نار في عظامه، لا يستطيع كتمها، حتى لو تسبب ذلك في معاناته. وفي صلواته، صرخ إرميا إلى الرب: "لقد أقنعتني يا رب فانقنعت. قويتني فقهرتني. صرت كل يومٍ مضحكةً، والكل يستهزئ بي!" كان إرميا يشعر بالوحدة والعار، لكنه كان يعلم أنه لا يستطيع الهروب من دعوة الله.
وفي اليوم التالي، أُطلق سراح إرميا من المُقطرة، لكن كلماته لم تتغير. وقف أمام الشعب والكهنة وقال: "هكذا قال الرب: ها أنا سأجعل كل من في هذه المدينة رعبًا ولعنة، وكل يهوذا أيضًا. وسيسلمون إلى أيدي ملك بابل، الذي سيسبيهم إلى أرض غريبة." كانت كلمات إرميا صادمة، لكنها كانت صادقة. كان الرب قد حذر شعبه مرارًا وتكرارًا، لكنهم رفضوا أن يسمعوا.
وفي خضم هذه الأحداث، كان إرميا يعيش في صراع داخلي. من ناحية، كان يعلم أن كلمة الله يجب أن تُعلن، ومن ناحية أخرى، كان يشعر بالمرارة والألم بسبب الرفض والاضطهاد الذي واجهه. وفي إحدى صلواته، صرخ إلى الرب قائلًا: "لعن اليوم الذي وُلدت فيه! لماذا خرجت من الرحم لأرى تعبًا وحزنًا، وتفنى أيامي في الخزي؟" كانت هذه الكلمات تعبيرًا عن ألمه العميق، لكنها أيضًا كانت تذكيرًا بأن الأنبياء، رغم معاناتهم، كانوا أدوات في يد الله لإتمام مشيئته.
وفي النهاية، رغم كل الصعوبات، ظل إرميا مخلصًا لدعوته. كان يعلم أن الله معه، وأن كلمة الرب ستتحقق، سواء آمن الشعب بها أم لا. وهكذا، استمر إرميا في تبليغ الرسالة، رغم الاضطهاد والرفض، لأنه كان يعلم أن طاعة الله هي الطريق الوحيد للحياة الحقيقية.
وهكذا، نتعلم من قصة إرميا أن خدمة الله ليست دائمًا سهلة، لكنها دائمًا مجدية. فحتى في وسط الألم والرفض، يبقى الله أمينًا، وكلمته تثبت إلى الأبد.
التعليقات
التعليقات 0
اقرأ النقاش وأضف صوتك.
للأعضاء فقط
سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش
نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.