كان الجفاف قد اشتد في تلك السنة، حتى صار التراب الأصفر تحت الأقدام كالعظام البالية. وكان عامر يجلس على حافة بئر القرية، يحدق في القاع الجاف حيث لم يبق سوى ذكريات الماء. الهواء كان ثقيلاً بحرارة تحمل عبير اليأس، كرائحة التراب الذي تخلّى عن الأمل. لم يكن عطش عامر عطش جسد فحسب، بل كان شيئاً أعمق، يشبه ذلك الفراغ الذي يتركه غياب شيء لا يُسمى.
سمع صوتاً خفيفاً كهمس السعف الجاف. التفت فلم ير سوى شيخاً يجلس في ظل نخيلة وحيدة، عيناه تشعان بنور غريب ليس من هذا الفضاء. قال الشيخ، وصوته كخرير ماء بعيد: "هلموا إلى المياه كل من عطش. هلموا إلى البائع واشتروا بلا فضة وبدون ثمن خمراً ولبناً."
فتح عامر فاه ليصيح: "أي ماء هذا تتكلم عنه، وأي بيع بلا ثمن؟ أنظر حولك، كل شيء قد جف وباع الناس حتى كرامتهم لقمة العيش." ابتسم الشيخ، وحرك يده البالية وكأنه يرسم خريطة في الهواء. "لماذا تزنون فضة لغير خبز، وتعبكم لغير شبع؟ أصغوا إليّ أصغاءً تأكلون الطيب، وتتلذذ نفوسكم بالدسم."
كانت الكلمات تغسل روح عامر شيئاً فشيئاً، كقطرات ندى على أرض محروقة. شعر وكأن حجارةً في صدره تتحلل. سأل بخوف: "من أنت؟" "أنا صوت لمن يملك الأذن، ونداء لمن ضاقت به السبل. ألمحك تسعى كل يوم وراء سراب، تملأ جرتك من آبار مشققة لا تمسك ماء. أقبل إلى هذا الينبوع."
نهض عامر، وتبع الشيخ خارج القرية، نحو البرية القاحلة. كان الشيخ يسير ببطء، ولكن خطواته كانت تترك أثراً كأن الأرض تتنفس تحتها. وصلوا إلى وادٍ مقفر، لا حياة فيه إلا صفير الريح بين الصخور. وقف الشيخ وأشار إلى الأفق. "اطلبوا الرب ما دام يوجد. ادعوه وهو قريب. ليترك الشرير طريقه ورجل الإثم أفكاره. وليتب إلى الرب فيرحمه، وإلى إلهنا لأنه يكثر الغفران."
وبينما كان الشيخ يتكلم، بدأ عامر يبكي. دموعه كانت سخية، كأنها تخرج من نبع طمره النسيان سنوات. رأى في بصيرته كل الطرق المعوجة التي سلكها، كل الكبرياء الذي بناه كجدار بينه وبين السماء، كل الظمأ الذي حاول أن يرويه من أودية موحلة. صرخ: "كيف أتوب؟ طريقي أصبح هويتي، وخطاياي صارت لغتي!"
أجاب الشيخ بصوت هادئ كنسيم الفجر: "لأن أفكاري ليست أفكاركم، ولا طرقكم طريقي، يقول الرب. بل كما علت السماوات عن الأرض، هكذا علت طريقي عن طرقكم، وأفكاري عن أفكاركم."
وفي تلك اللحظة، حدث شيء لم يره عامر من قبل. بدأت سحابة صغيرة، بحجم كف إنسان، تتراكم في السماء الصافية. ثم انهمر مطر خفيف، نقي، كدموع السماء نفسها. لم يكن مطراً عادياً، بل كان كل قطرة منه تترنم بنغمة. والماء لم يذهب هدراً في التراب الجاف، بل بدأ ينبت عشباً أخضر، وزهوراً برية زرقاء وبنفسجية، حيث لم يكن شيء منذ سنين.
وقال الشيخ، وكلماته تنساب مع صوت المطر: "لأنه كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجعان إلى هناك، بل يرويان الأرض ويجعلانها تلد وتنبت وتعطي زرعاً للزارع وخبزاً للآكل، هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي. لا ترجع إليّ فارغة، بل تعمل ما سررت به، وتنجح فيما أرسلته له."
وسمع عامر صوتاً آخر، ليس صوت الشيخ، بل صوتاً أعظم، يتردد في كل ركن من ذلك الوادي المخضرّ، في حفيف العشب الجديد، في قطرات المطر، في نبض قلبه نفسه. صوت يقول: "لأنكم بفرح تخرجون، وبسلام تحضرون. الجبال والآكام تفرّق قدامكم ترنيماً، وكل شجر الحقل يصفق بالأيدي. عوض العوسج تنبت سرو، وعوض الشوك ينبت آس. فيكون ذلك للرب اسماً، علامة أبدية لا تنقرض."
وعندما التفت عامر ليسأل الشيخ عن معنى ما يرى، وجده قد اختفى. لكنه لم يعد يشعر بالوحشة. فقد كان الوادي يفيض حياة، وبدأت جداول ماء صغيرة تتشكل وتغني في طريقها. عرف في أعماقه أن العطش الذي حمله سنوات قد ارتوى من منبع لا ينضب. وأن الدعوة لم تكن له وحده، بل لكل من يحمل جرّة فارغة، وقلباً متعباً.
مشى عائداً إلى القرية، ليس ليخبرهم عن بئر جديد، بل عن ينبوع دائم. وعندما سألوه: "أين فضتك؟ وأين ثمن الماء؟" كان يبتسم فقط ويقول: "تعالوا واشربوا. المجاني هو الأغلى ثمناً، لأنه من قلب لا ينضب."
وهكذا، من ذلك اليوم، لم تعد القرية نفسها. ليس لأن المطر نزل على أرضها فحسب، بل لأن كلمةً نزلت على قلوب أبنائها، فحولت القفراء إلى جنة، والعطش إلى نبع متدفق من الفرح.