في قَديمِ الزَّمان، في مَدينَةٍ تَزْدَهِرُ بِالحِكْمَةِ وَالمَعْرِفَةِ، كانَتْ هُناكَ امرَأَةٌ عَظِيمَةٌ تُدْعَى "الحِكْمَة". كَانَتْ تَجْلِسُ عَلَى قِمَّةِ الجَبَلِ المُطِلِّ عَلَى المَدِينَةِ، وَقَدْ بَنَتْ بَيتَها بِأَيْدٍ خَبِيرَةٍ. كَانَ البَيتُ مَبْنِيًّا مِنْ سَبْعَةِ أَعْمِدَةٍ، كُلُّ عَمُودٍ يَرْمِزُ إِلَى فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِ الحِكْمَةِ: الفَهْمُ، المَشُورَةُ، العِلْمُ، التَّقْوَى، التَّوْفِيقُ، الصَّبْرُ، وَالمَحَبَّةُ. كَانَتْ تَتَأَلَّقُ بِجَمالٍ رُوحِيٍّ، وَكَانَتْ تَرْتَدِي ثِيَابًا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، تَتَلألأُ كَأَشِعَّةِ الشَّمْسِ فِي وَسَطِ النَّهَارِ.
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، نَادَتْ الحِكْمَةُ بِصَوْتٍ عَذْبٍ يَمْلَأُ الأَفْقَ: "هَلُمُّوا إِلَيَّ، أَيُّهَا الجَاهِلُونَ، وَتَعَلَّمُوا مِنِّي. هَلُمُّوا، أَيُّهَا المُتَعَطِّشُونَ لِلْمَعْرِفَةِ، وَاشْرَبُوا مِنْ مَائِي العَذْبِ. اُتْرُكُوا الجَهْلَ وَالسَّفَاهَةَ، وَعِيشُوا فِي نُورِ الفَهْمِ وَالحَقِّ."
وَكَانَ صَوْتُهَا يَصِلُ إِلَى كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا المَدِينَةِ، فَسَمِعَهُ الشَّابُّ العَاقِلُ الَّذِي كَانَ يَسْعَى لِلتَّعَلُّمِ، وَالشَّيْخُ الحَكِيمُ الَّذِي كَانَ يَبْحَثُ عَنْ مَزِيدٍ مِنَ المَعْرِفَةِ. وَكَانَ هُناكَ أَيْضًا مَنْ أَغْلَقُوا قُلُوبَهُمْ وَآذَانَهُمْ، فَاسْتَمَرُّوا فِي جَهْلِهِمْ وَغَفْلَتِهِمْ.
أَمَّا الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِدَعْوَةِ الحِكْمَةِ، فَصَعِدُوا إِلَى الجَبَلِ، وَدَخَلُوا بَيتَهَا. وَهَناكَ، وَجَدُوا مَائِدَةً عَظِيمَةً قَدْ أُعِدَّتْ لَهُمْ، عَلَيْهَا خُبْزُ الحَقِّ وَخَمْرُ الفَهْمِ. كَانَتْ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنَ الخُبْزِ تَحْمِلُ فِيهَا تَعْلِيمًا نَافِعًا، وَكُلُّ كَأْسٍ مِنَ الخَمْرِ تَمْلَأُ القَلْبَ بِالسَّعَادَةِ وَالسَّلامِ.
وَبَيْنَمَا كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ، بَدَأَتْ الحِكْمَةُ تُعَلِّمُهُمْ: "مَخَافَةُ الرَّبِّ هِيَ بَدَايَةُ الحِكْمَةِ، وَمَعْرِفَةُ القُدُّوسِ فَهْمٌ. إِنْ كُنْتَ تَبْحَثُ عَنِ الحَيَاةِ، فَاتَّقِ الرَّبَّ وَاحْفَظْ وَصَايَاهُ. لِأَنَّ الحِكْمَةَ تَزِيدُ أَيَّامَكَ، وَتَضِيفُ سِنِينَ لِحَيَاتِكَ. إِنْ كُنْتَ حَكِيمًا، فَأَنْتَ تَنْتَفِعُ بِحِكْمَتِكَ، وَإِنْ كُنْتَ مُسْتَهْزِئًا، فَأَنْتَ وَحْدَكَ تَحْمِلُ عَاقِبَةَ جَهْلِكَ."
وَبَيْنَمَا كَانَتِ الحِكْمَةُ تُعَلِّمُ، كَانَتْ هُناكَ امرَأَةٌ أُخْرَى تُدْعَى "الجَهَالَةُ". كَانَتْ تَجْلِسُ عَلَى بَابِ مَدِينَةِ الشَّرِّ، وَكَانَتْ تَنْتَظِرُ مَنْ يَمُرُّ بِهَا لِتَغْوِيَهُ. كَانَتْ تَرْتَدِي ثِيَابًا مُلَوَّنَةً وَزَائِفَةً، وَكَانَ صَوْتُهَا يَتَظَاهَرُ بِالعَذَابَةِ، لَكِنَّهُ كَانَ مَلِيئًا بِالخِدَاعِ. نَادَتْ هِيَ أَيْضًا: "هَلُمُّوا إِلَيَّ، أَيُّهَا المُتَعَبُونَ، وَارْتَاحُوا مِنْ أَعْمَالِكُم. هَلُمُّوا، وَتَذَوَّقُوا مَائِي السَّرِيِّ، وَخُبْزِي الحُلْوِ."
لَكِنَّ مَاءَهَا كَانَ مِلْحًا يُزِيدُ العَطَشَ، وَخُبْزَهَا كَانَ مُرًّا يُؤَدِّي إِلَى المَوْتِ. وَمَنْ دَخَلَ بَيتَهَا، لَمْ يَعُدْ يَرْجِعُ أَبَدًا، بَلْ كَانَ يَضِلُّ فِي ظُلُمَاتِ الجَهْلِ وَالشَّرِّ.
أَمَّا الَّذِينَ أَطَاعُوا الحِكْمَةَ، فَعَاشُوا فِي نُورِ الحَقِّ، وَتَمَتَّعُوا بِبَرَكَاتِ الفَهْمِ وَالمَعْرِفَةِ. وَكَانَتْ حَيَاتُهُمْ مَلِيئَةً بِالسَّلامِ وَالفَرَحِ، لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ "مَخَافَةَ الرَّبِّ هِيَ بَدَايَةُ الحِكْمَةِ، وَمَعْرِفَةَ القُدُّوسِ فَهْمٌ."
وَهَكَذَا، بَقِيَتْ دَعْوَةُ الحِكْمَةِ تَصِلُ إِلَى كُلِّ مَنْ يَسْمَعُ، وَكُلُّ مَنْ يَسْعَى لِلْحَقِّ يَجِدُهَا. أَمَّا الجَهَالَةُ، فَظَلَّتْ تَنْتَظِرُ مَنْ يَغْتَرُّ بِخِدَاعِهَا، لِيَهْلِكَ فِي ظُلُمَاتِهَا. فَاخْتَارُوا أَنْتُمُ الحِكْمَةَ، لِتَعِيشُوا حَيَاةً مَلِيئَةً بِالنُّورِ وَالبَرَكَةِ.
التعليقات
التعليقات 0
اقرأ النقاش وأضف صوتك.
للأعضاء فقط
سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش
نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.