في الأيام التي سبقت سقوط أورشليم، عندما كانت رياح التغيير تعصف بالممالك القديمة، تنبأ النبي إرميا عن مصير بني عمون، الذين سكنوا شرقي نهر الأردن. كان بنو عمون، أبناء لوط، قد أقاموا مملكة قوية، لكنهم ارتكبوا الشرور وتمادوا في الكبرياء والظلم. فجاءت كلمة الرب إلى إرميا قائلة:
"هكذا يقول رب الجنود، إله إسرائيل: أما لبني عمون شرّ؟ أليس لهم وارث؟ لماذا إذن استولى ملكهم على أرض جاد، وسكن شعبه في مدنها؟ لذلك ها أيام تأتي، يقول الرب، وأسمع في ربّة بني عمون صوت حرب، فتتحول إلى تلة خراب، وقراها تُحرق بالنار. فيملك إسرائيل على الذين ملكوا عليه، يقول الرب."
كانت ربّة، عاصمة بني عمون، مدينة عظيمة محصنة بأسوار شاهقة وأبراج قوية. كانت تقع على قمة تل، تحيط بها الوديان العميقة، مما جعلها تبدو وكأنها حصن منيع. لكن الرب أعلن أن هذه الحصون لن تصمد أمام غضبه. فاستمر إرميا في نقل كلمة الرب:
"ابتهجي أيتها الحاصنة، واصرخي يا ربّة بني عمون، لأن ملوكك سيُساقون إلى السبي، وآلهتهم تتبعهم. لماذا تفتخرين بوديانك، يا ابنة الآمنة، المتكئة على خزائنها، القائلة في قلبها: من يجسر أن يقترب إليّ؟ ها أنا أُحضر عليك خوفًا من كل ما حولك، يقول رب الجنود. فتشتتين كل واحدة إلى حيث تهرب، ولا يكون من يجمع الهاربين."
كانت ربّة تعتمد على قوتها العسكرية وثروتها الهائلة، لكن الرب أعلن أن هذه الأمور لن تنفعها في يوم الدينونة. فاستمر إرميا في وصف الدمار القادم:
"لأنه هكذا قال الرب: ها أنا أجعلك خائفة، وكل من حولك يرتعد. فتُطرحين أرضًا، ويُسحق شعبك، وتصيرين عبرة للأمم. لأنك اتكأتِ على قوتك وعلى كنوزك، فلم تذكري أن الرب هو الذي يعطي القوة والغنى."
ثم تابع إرميا كلام الرب عن مصير أدوم، الجار الجنوبي لبني عمون، الذي شاركهم في الكبرياء والعدوان:
"وأما أدوم، فها أنا أجعله خرابًا، وكل من يمر به يتعجب ويهز رأسه. كسدوم وعمورة ستصيران، يقول الرب، لا يسكن فيهما إنسان، ولا ينزل فيهما ابن آدم. ها كأسد يصعد من غابة الأردن إلى المراعي الدائمة، لأني أُسقط أدوم فجأة، ومن يختاره أرسله عليها. فمن مثلي يدعو إلى المحاكمة؟ ومن يقف أمامي كراعٍ للقطيع؟"
كانت أدوم، أبناء عيسو، قد عاشت في جبال صخرية وعرة، وظنوا أن حصونهم الطبيعية تحميهم من أي عدو. لكن الرب أعلن أن لا شيء يستطيع أن يقف أمام قضائه:
"لذلك اسمعوا مشورة الرب التي قضى بها على أدوم، وأفكاره التي فكر بها على سكان تيمان. إن صغار القطيع يُسحبون، ومراعيهم تُخرب بسببهم. من صوت سقوطهم ترتجف الأرض، وصُراخهم يُسمع عند البحر الأحمر. ها كنسر يصعد ويطير، ويمد جناحيه على بصرة. في ذلك اليوم تصير قلوب أبطال أدوم كقلوب امرأة ماخض."
ثم ختم إرميا النبوة بكلمات تذكير بقدرة الرب وسلطانه:
"هكذا قال الرب: إن لم يكن هؤلاء الذين لم أُرسلهم قد أتوا، وإن لم يكنوا قد تكلموا، لكانت لهم سلامة. ولكن الآن سأجعل أدوم خرابًا، وكل من يدعو عليها يُلعن. كما أن سدوم وعمورة أُهلكتا، هكذا أدوم لا تقوم بعد، يقول الرب."
وهكذا، كانت كلمات إرميا نبوة قاسية لكنها عادلة، تذكرنا بأن الرب هو الذي يرفع الممالك ويخفضها، وأن الكبرياء والظلم لا بد أن يواجها دينونة الله. فليتعظ كل من يسمع هذه الكلمات، وليتذكر أن الرب هو الحاكم الأعلى على كل الأمم.
التعليقات
التعليقات 0
اقرأ النقاش وأضف صوتك.
للأعضاء فقط
سجّل الدخول للانضمام إلى النقاش
نربط التعليقات بحسابات حقيقية حتى تبقى المناقشة نظيفة وموثوقة.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يكتب.